الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٠٩ - مولد ابن سريج و وفاته و كيف اشتغل بالغناء بعد أن كان نائحا
واحد لحنان فسقط خيرهما، و الذي في أيدي الناس الآن من اللحنين لحن إسحاق، و قد ترك لحن ابن سريج، فقلّ من يسمعه إلا من العجائز المتقدّمات و مشايخ المغنّين. هذا أو نحوه [١].
لحن إسحاق في تشكى الكميت ... مأخوذ من لحن الأبجر في يقولون. أبكاك البيت
و أخبرني يحيى بن عليّ قال حدّثنا أبو أيّوب المدينيّ عن إبراهيم بن عليّ بن هشام قال: يقولون: إنّ ابتداء غناء إسحاق الذي في [٢]:
تشكّى الكميت الجري لمّا جهدته
أنّما أخذه من صوت الأبجر:
يقولون ما أبكاك [٣] و المال غامر [٤]
نسبة هذا الصوت
صوت
يقولون ما أبكاك و المال غامر
عليك و ضاحي [٥] الجلد منك كنين [٦]
فقلت لهم لا تسألوني و انظروا
إلى الطّرب النّزاع [٧] كيف يكون
غنّاه الأبجر ثقيلا أوّل بالبنصر، عن عمرو و دنانير. و ذكر الهشاميّ أنّ فيه لعزّة المرزوقيّة [٨] ثاني ثقيل بالوسطى.
مولد ابن سريج و وفاته و كيف اشتغل بالغناء بعد أن كان نائحا
أخبرني رضوان بن أحمد الصّيدلانيّ قال حدّثنا يوسف بن إبراهيم قال حدّثني إبراهيم بن المهديّ قال حدّثني إسماعيل بن جامع عن سياط قال:
/ كان ابن سريج أوّل من غنّى الغناء المتقن بالحجاز بعد طويس، و كان مولده في خلافة عمر بن الخطّاب، و أدرك يزيد بن عبد الملك و ناح عليه، و مات في خلافة هشام. قال: و كان قبل أن يغنّي نائحا و لم يكن مذكورا، حتى ورد الخبر مكة بما فعله مسرف [٩] بن عقبة بالمدينة، فعلا على أبي قبيس و ناح بشعر هو اليوم داخل في أغانيه، و هو:
[١] يريد: قال هذا أو قريبا منه.
[٢] في ت، ح، ر: «الذي فيه الصياح في ... الخ».
[٣] كذا في ا، ء، م. و في سائر النسخ: «أبلاك» أي ما الذي أصابك بهذا الشرّ و أوقعك في هذا البلاء.
[٤] غامر: كثير. و أصله من غمره الماء إذا غطاه.
[٥] ضاحي الجلد: عاريه الذي يتعرّض للشمس.
[٦] كنين: مكنون مستور.
[٧] نزعت نفسه إلى الشيء نزاعا و نزوعا: حنّ إليه و اشتاق.
[٨] في ح، ر: «عزة الميلاء». و عزة المرزوقية غير عزة الميلاء، و إن كنا لم نعثر لها على ترجمة خاصة. (انظر الكلام على الغناء في «لمن الديار عرفتها ...» البيت في الجزء الحادي عشر من «الأغاني» في أخبار محمد بن أميّة و أخيه على بن أميّة).
[٩] هو لقب مسلم بن عقبة المرّي صاحب وقعة الحرّة الذي وجهه يزيد بن معاوية في جيش عظيم لقتال ابن الزبير بالمدينة، فقاتل أهلها و هزمهم و أباح المدينة ثلاثة أيام. و قد لقّب مسرفا لأنه أسرف في القتل في هذه الوقعة. قال عليّ بن عبد اللّه بن عباس:
و هم منعوا ذماري يوم جاءت
كتائب مسرف و بنو اللكيعة
(و قد تقدمت الإشارة إلى هذه الوقعة في هذا الجزء ص ٢٣- ٢٦).