الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ١٢
المتحرّكة و الساكنة، و يفصّلون الكلام في تلك الأجزاء تفصيلا يكون كل جزء منها مستقلا بالإفادة لا ينعطف على الآخر، و يسمونه البيت، فيلائم الطبع بالتجزئة أوّلا، ثم بتناسب الأجزاء في المقاطع و المبادئ، ثم بتأدية المعنى المقصود و تطبيق الكلام عليها، فلهجوا به، فامتاز من بين كلامهم بحظ من الشرف ليس لغيره، لأجل اختصاصه بهذا التناسب؛ و جعلوه ديوانا لأخبارهم و حكمهم و شرفهم، و محكّا لقرائحهم في إصابة المعاني و إجادة الأساليب، و استمرّوا على ذلك.
و هذا التناسب الذي من أجل الأجزاء و المتحرّك و الساكن من الحروف، قطرة من بحر من تناسب الأصوات، كما هو معروف في كتب الموسيقى؛ إلا أنهم لم يشعروا بما سواه؛ لأنهم حينئذ لم ينتحلوا علما. و لا عرفوا صناعة، و كانت البداوة أغلب نحلهم. ثم تغنّى الحداة منهم في حداء إبلهم، و الفتيان في فضاء خلواتهم، فرجّعوا الأصوات و ترنّموا. و كانوا يسمون الترنم إذا كان بالشعر غناء، و إذا كان بالتهليل أو نوع القراءة تغبيرا (بالغين المعجمة و الباء الموحدة). و عللها أبو إسحاق الزجاج بأنها تذكّر بالغابر، و هو الباقي، أي بأحوال الآخرة [١].
و ربما ناسبوا في غنائهم بين النغمات مناسبة بسيطة، كما ذكره ابن رشيق آخر «كتاب العمدة» و غيره. و كانوا يسمونه «السناد»، و كان أكثر ما يكون منهم في الخفيف الذي يرقص عليه و يمشي بالدف و المزمار، فيطرب و يستخف الحلوم، و كانوا يسمون هذا «الهزج». و هذا البسيط كله من التلاحين هو من أوائلها، و لا يبعد أن تتفطن له الطباع من غير تعليم، شأن البسائط كلها من الصنائع. و لم يزل هذا شأن العرب في بداوتهم و جاهليتهم.
فلما جاء الإسلام و استولوا على ممالك الدنيا و حازوا سلطان العجم و غلبوهم عليه، و كانوا من البداوة و الغضاضة على الحال التي عرفت لهم، مع غضارة الدين و شدّته في ترك أحوال الفراغ و ما ليس بنافع في دين و لا معاش، هجروا ذلك شيئا ما، و لم يكن الملذوذ عندهم إلا بترجيع القراءة و الترنم بالشعر الذي كان ديدنهم و مذهبهم. فلما جاءهم الترف و غلب عليهم الرفه بما حصل لهم من غنائم الأمم، صاروا إلى نضارة العيش و رقّة الحاشية و استحلاء الفراغ، فافترق المغنّون من الفرس و الروم فوقعوا إلى الحجاز، و صاروا موالي للعرب، و غنّوا جميعا بالعيدان و الطنابير و المعازف [٢] و المزامير، و سمع العرب تلحينهم للأصوات فلحّنوا عليها أشعارهم، و ظهر بالمدينة نشيط الفارسيّ و طويس و سائب خاثر مولى عبد اللّه بن جعفر، فسمعوا شعر العرب و لحنوه و أجادوا فيه، و طار لهم ذكر، ثم أخذ عنهم معبد و طبقته و ابن سريج و أنظاره.
و ما زالت صناعة الغناء تتدرّج إلى أن كملت أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي و إبراهيم الموصليّ و ابنه إسحاق و ابنه حمّاد، و كان من ذلك في دولتهم ببغداد ما تبعه الحديث به و بمجالسه لهذا العهد. و أمعنوا في اللهو و اللعب، و اتخذت آلات الرقص في الملبس و القضبان و الأشعار التي يترنم بها عليه، و جعل صنفا وحده. و اتخذت آلات أخرى للرقص تسمى بالكرّج [٣]- و هي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلّقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان،
[١] هذا رأي الزجاج. و قال الأزهري: سموا ما يطرّبون فيه من الشعر في ذكر اللّه تغييرا، كأنهم إذا تناشدوها بالألحان طربوا فرقصوا و أرهجوا (أثاروا الرهج و هو الغبار)، فسموا مغبّرة لهذا المعنى. قال الأزهري: و روينا عن الشافعي قال: أرى الزنادقة وضعوا التغيير ليصدّوا عن ذكر اللّه و قراءة القرآن.
[٢] المعازف: الملاهي و الملاعب التي يضرب بها، يقولون للواحد: عزف، و الجمع معازف (على غير مقياس) فإذا أفرد المعزف فهو ضرب من الطنابير و يتخذه أهل اليمن. و غيرهم يجعل العود معزفا. «لسان العرب» (مادة «عزف»).
[٣] الكرّج: فارسيّ معرب و هو ما يتخذ مثل المهر يلعب عليه؛ قال جرير:
لبست سلاحي و الفرزدق لعبة
عليها وشاحا كرج و جلاجله