الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٦٤ - أم بشر بن مروان ابن الحكم
فمنك العطاء و منّي الثّناء
بكلّ محبّرة سائره
فقال: أعطوه أعطوه. فقال: إنّي مملوك. فدعا الحاجب فقال: اخرج فابلغ في قيمته، فدعا المقوّمين فقال: قوّموا غلاما أسود ليس به عيب. قالوا: مائة دينار. قال: إنه راع للإبل يبصرها و يحسن القيام عليها.
قالوا: حينئذ مائتا دينار. قال: إنه يبري القسيّ و يثقّفها و يرمي النّبل و يريشها. قالوا: أربعمائة دينار. قال: إنه رواية للشّعر بصير به. قالوا: ستّمائة دينار. قال: إنه/ شاعر لا يلحق حذقا [١]. قالوا: ألف دينار. قال عبد العزيز: ادفعوها إليه. قال: أصلح اللّه الأمير! ثمن بعيري الذي أضللت. قال: و كم ثمنه؟ قال: خمسة و عشرون دينارا. قال: ادفعوها إليه. قال: أصلح اللّه الأمير! جائزتي لنفسي عن مديحي إيّاك. قال: اشتر نفسك ثم عد إلينا. فأتى الكوفة و بها بشر بن مروان، فاستأذن عليه فاستصعب الدخول إليه. و خرج بشر بن مروان متنزّها فعارضه، فلما ناكبه (أي صار حذاء منكبه) ناداه:
يا بشر يا بن الجعفريّة ما
خلق الإله يديك للبخل
جاءت به عجز [٢] مقابلة [٣]
ما هنّ من جرم [٤] و لا عكل
/ قال: فأمر له بشر بعشرة آلاف درهم. الجعفريّة التي عناها نصيب: أمّ بشر بن مروان، و هي قطيّة [٥] بنت بشر بن عامر ملاعب الأسنّة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
أم بشر بن مروان ابن الحكم
أخبرنا اليزيديّ عن الخرّاز عن المدائنيّ عن عبد اللّه بن مسلم و عامر بن حفص و غيرهما:
أنّ مروان بن الحكم مرّ ببادية بني جعفر، فرأى قطيّة بنت بشر تنزع بدلو على أبل لها، و تقول:
/
ليس بنا فقر إلى التّشكّي
جربّة [٦] كحمر الأبكّ [٧]
لا ضرع [٨] فيها و لا مذكّي [٩]
[١] في ت، أ، م، ء: «لا يلحن حرفا».
[٢] عجز: جمع عجوز. يريد بهن أمهاته و جداته.
[٣] المقابلة: الكريمة النسب من قبل أبويها.
[٤] جرم: بطن في طيء و مساكنهم صعيد مصر و منهم بقية في نواحي غزة، و هم غير جرم بن زبّان بن حلوان بن عمران بن الحاف: بطن من قضاعة. و عكل: أبو قبيلة فيهم غباوة و قلة فهم؛ لذلك يقال لكل من فيه غفلة و يستحمق: عكليّ.
[٥] في ت، ح، ر: «قطبة» بالباء الموحدة و قد سمى به، كما في «القاموس».
[٦] وردت هذه الكلمة في ب، س، ر: «جونية» و في ح: «لجونبة» و في ء: «جرية». و في م، أ: «جريه». و في ت: «حرية». و كل ذلك محرّف عن «جربّة». و الجربة في الأصل: جماعة الحمر. و قد يقال للأقوياء من الناس إذا كانوا جماعة متساوين، و هو المراد هنا. و قد ورد البيت في «اللسان» مادة صلم:
صلامة كحمر الأبك
لا ضرع فيها و لا مذكّى
و الصلامة: القوم المستوون في السنّ و الشجاعة و السخاء.
[٧] الأبك: الحمر التي يبكّ (يزحم) بعضها بعضا؛ و نظيره قولهم الأعم في الجماعة، و الأمرّ لمصارين الفرث. و الأبك: اسم موضع؛ قال في «اللسان» مادة بكك: و الأبك: موضع نسبت الحمر إليه، فأما ما أنشده ابن الأعرابي «جربة كحمر الأبك» فزعم أنها الحمر يبكّ بعضها بعضا. قال: يضعف ذلك أن فيه ضربا من إضافة الشيء إلى نفسه و هذا مستكره. و قد يكون الأبك هاهنا الموضع فذلك أصح للإضافة.
[٨] الضرع: الضعيف.
[٩] المذكى: المسنّ من كل شيء، و خص بعضهم به ذوات الحافر و هو أن يجاوز القروح بسنة. قال الأزهريّ نقلا عن ابن الأعرابي: إذا سقطت رباعية الفرس و نبتت مكانها سنّ فهو رباع و ذلك إذا استتم الرابعة، فإذا حان قروحه سقطت السن التي تلي رباعيته و نبت-