الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٥ - قدومه مكة و التقاؤه بالمغنين بها
معبد و ابن عائشة
قال إسحاق: و ذكر لي شيخ من أهل المدينة عن هارون بن سعد: أن ابن عائشة كان يلقي عليه و على ربيحة [١] الشّمّاسيّة، فدخل معبد فألقى عليهما صوتا، فاندفع ابن عائشة يغنّيه و قد أخذه منه؛ فغضب معبد و قال:
أحسنت يا ابن عاهرة [٢] الدّار، تفاخرني! فقال: لا و اللّه- جعلني اللّه فداءك يا أبا عبّاد- و لكنّي أقتبس منك،/ و ما أخذته إلّا عنك، ثم قال: أنشدك [٣] اللّه يا ابن شمّاس، هل قلت لك: قد جاء أبو عبّاد فاجمع بيني و بينه أقتبس منه؟ قال: اللّهم نعم.
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه [٤] قال:
قيل لابن عائشة، و قد غنّى صوتا أحسن فيه فقال: أصبحت أحسن الناس غناء، فقيل له: و كيف أصبحت أحسن الناس غناء؟ قال: و ما يمنعني من ذلك و قد أخذت من أبي عبّاد أحد عشر صوتا، و أبو عبّاد مغنّي أهل المدينة و المقدّم فيهم! [٥] أخبرنا وكيع قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال حدّثني أيّوب بن عباية عن رجل من هذيل قال:
قدومه مكة و التقاؤه بالمغنين بها
قال معبد: غنّيت فأعجبني غنائي و أعجب الناس و ذهب لي به صيت [٦] و ذكر، فقلت: لآتينّ مكّة فلأسمعنّ من المغنّين بها و لأغنّينّهم و لأتعرّفنّ إليهم، فابتعت حمارا فخرجت عليه إلى مكّة. فلمّا قدمتها بعت حماري و سألت عن المغنّين أين يجتمعون؟ فقيل: بقعيقعان [٧] في بيت فلان، فجئت إلى منزله بالغلس [٨] فقرعت الباب، فقال:
من هذا؟ فقلت: انظر عافاك اللّه! فدنا و هو يسبّح و يستعيد كأنه يخاف، ففتح فقال: من أنت عافاك اللّه؟ قلت:
رجل من أهل المدينة. قال:/ فما حاجتك؟ قلت: أنا رجل أشتهي الغناء، و أزعم أني أعرف منه شيئا، و قد بلغني أنّ القوم [٩] يجتمعون عندك، و قد أحببت أن تنزلني في جانب منزلك و تخلطني بهم، فإنه لا مئونة عليك و لا عليهم منّي [١٠]. فلوى [١١] شيئا ثم قال: انزل على بركة اللّه. قال: فنقلت متاعي فنزلت في جانب حجرته. ثم جاء القوم حين أصبحوا واحدا بعد واحد [١٢] حتى اجتمعوا، فأنكروني و قالوا: من هذا الرجل؟ قال: رجل من أهل المدينة
[١] لم نعثر على ضبطه و قد ضبطناه قياسا على تسميتهم «ربيح» بالتصغير.
[٢] كذا في ر. و في أ م،: «يا ابن عائشة» و في سائر النسخ: «يا ابن عاهة الدار».
[٣] في ح، ر: «أنشدك باللّه» و كلاهما صحيح.
[٤] في س: «أخبرني الحسين عن ابن حماد عن أبيه» و في ب، ر: «أخبرني الحسين بن حماد عن أبيه» و في ح: «أخبرني الحسن بن حماد عن أبيه» و كلها أسانيد مضطربة. و قد اعتمدنا ما أثبتناه في الصلب و قد تقدّم مرارا.
[٥] كذا في ح، ر. و في ت: «و متقدّمهم» و في سائر النسخ: «و المقدّم منهم عليهم».
[٦] في ت، ح، ر: «صوت». و الصوت و الصّات و الصّيت: الذكر.
[٧] قعيقعان: اسم قرية بها مياه و زروع و نخيل قرب مكة بينها و بين مكة اثنا عشر ميلا (ياقوت).
[٨] الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح.
[٩] في ت: «المغنّين».
[١٠] في ت: «في ذلك».
[١١] أي تمكّث قليلا.
[١٢] في ت «واحدا واحدا».