الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨٢ - رثاء نصيب عبد العزيز بن مروان و قد مات بسكر من قرى الصعيد
الأحوص فقبلها، و أمّا كثيّر فلم يقبلها، و قال: لعن اللّه صاحبتك و جائزتها و لعنك معها! فأخذتها و انصرفت.
فسألت النّصيب: ممن المرأة؟ فقال: من بني أميّة و لا أذكر اسمها ما حييت لأحد.
رثاء نصيب عبد العزيز بن مروان و قد مات بسكر من قرى الصعيد
أخبرني عيسى بن يحيى الورّاق عن أحمد بن الحارث الخرّاز قال حدّثنا المدائنيّ قال:
وقع الطّاعون بمصر في ولاية عبد العزيز بن مروان إيّاها، فخرج هاربا منه فنزل بقرية من الصعيد يقال لها «سكر» [١]. فقدم عليه حين نزلها رسول لعبد الملك، فقال له عبد العزيز: ما اسمك؟ فقال: طالب بن مدرك.
فقال: أوّه، ما أراني راجعا إلى الفسطاط أبدا! و مات في تلك القرية. فقال نصيب يرثيه:
أصبت يوم الصعيد من سكر
مصيبة ليس لي بها قبل
تاللّه أنسى [٢] مصيبتي أبدا
ما أسمعتني حنينها الإبل
/ و لا التّبكّي عليه أعوله [٣]
كلّ المصيبات بعده جلل
لم يعلم النّعش ما عليه من ال
عرف و لا الحاملون ما حملوا
حتى أجنّوه في ضريحهم
حين انتهى من خليلك [٤] الأمل
غنّى في هذه الأبيات ابن سريج، و لحنه رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، و ذكر الهشاميّ أنّ له فيه لحنا من الهزج، و ذكر ابن بانة أن الرّمل لابن الهربذ [٥].
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن مصعب الزّبيري عن مشيخة من أهل الحجاز:
أنّ نصيبا دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: أنشدني بعض ما رثيت به أخي؛ فأنشده قوله:
عرفت و جرّبت الأمور فما أرى
كماض تلاه الغابر [٦] المتأخّر
و لكنّ أهل الفضل من أهل نعمتي
يمرّون أسلافا أمامي و أغبر
فإن أبكه [٧] أعذر و إن أغلب الأسى
بصبر فمثلي عند ما اشتدّ يصبر
[١] سكر بوزن زفر: موضع بشرقية الصعيد بينه و بين مصر يومان كان عبد العزيز بن مروان يخرج إليه كثيرا.
[٢] يريد: تاللّه لا أنسى مصيبتي أبدا. و حذف لا يطرد في جواب القسم إذا كان المنفيّ مضارعا، نحو قوله تعالى: (تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ) و قول الشاعر:
فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا
[٣] أعول إعوالا: رفع صوته بالبكاء و الصياح.
[٤] في ياقوت (مادة سكر): «من خليله».
[٥] كذا في أكثر النسخ. و في ب، س: «لابن الهزبر» و هو تحريف، إذ المغني هو إسماعيل بن الهزبذ مولى آل الزبير بن العوّام. و ستأتي له ترجمة مستقلة في الجزء السادس من «الأغاني».
[٦] الغابر هنا: الباقي، و يستعمل أيضا في الماضي.
[٧] كذا في ب، س. و في سائر الأصول: «أبكهم».