الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣١٦ - تعذيب محمد بن هشام للعرجي و ما كان يقوله العرجي من الشعر في ذلك
سلطان. فمكث في حبسه نحوا من تسع سنين حتى مات فيه.
روايات أخرى في سبب الخصومة بين محمد بن هشام و العرجيّ
و ذكر إسحاق في خبره عن أيّوب بن عباية و وافقه عمر بن شبّة و محمد بن حبيب: أن السبب في ذلك أنّ العرجيّ لاحى [١] مولى كان لأبيه فأمضّه [٢] العرجيّ، فأجابه المولى بمثل ما قاله له. فأمهله حتى إذا كان الليل أتاه مع جماعة من مواليه و عبيده فهجم عليه في منزله و أخذه و أوثقه كتافا [٣]، ثم أمر عبيده أن ينكحوا امرأته بين يديه ففعلوا، ثم قتله و أحرقه بالنار. فاستعدت امرأته على العرجيّ محمد بن هشام فحبسه.
و ذكر الزبير في خبره عن الضّحّاك بن عثمان: أنّ العرجيّ كان و كلّ بحرمه [٤] مولى له يقوم بأمورهنّ، فبلغه أنه يخالف إليهنّ، فلم يزل يرصده حتى وجده يحدّث بعضهنّ، فقتله و أحرقه بالنار. فاستعدت عليه امرأة المولى محمد بن هشام المخزوميّ و كان واليا على مكة في خلافة هشام، و كان العرجيّ قد هجاه قبل ذلك هجاء كثيرا لمّا ولّاه هشام الحجّ فأحفظه. فلمّا وجد عليه سبيلا ضربه و أقامه على البلس للناس [٥]، و سجنه حتى مات في سجنه.
و ذكر الزّبير أيضا في خبره عن عمّه و غيره أنّ أشعب كان حاضرا للعرجيّ و هو يشتم مولاه هذا، و أنه طال شتمه إيّاه. فلما أكثر ردّ المولى عليه، فاختلط من [٦] ذلك، فقال لأشعب: اشهد على ما سمعت. قال أشعب:
و علام أشهد، قد شتمته ألفا و شتمك واحدة. و اللّه لو أنّ أمّك أمّ الكتاب، و أمّة حمّالة الحطب ما زاد على هذا!
تعذيب محمد بن هشام للعرجيّ و ما كان يقوله العرجي من الشعر في ذلك
قال الزّبير و حدّثني حمزة بن عتبة اللّهبيّ قال:
/ لمّا أخذ محمد بن هشام المخزوميّ العرجيّ أخذه و أخذه معه الحصين بن غرير [٧] الحميريّ، فجلدهما، و صبّ على رءوسهما الزيت، و أقامهما في الشمس على البلس [٨] في الحنّاطين بمكة؛ فجعل العرجيّ ينشد:
سينصرني الخليفة بعد ربّي
و يغضب حين يخبر عن مساقي
عليّ عباءة بلقاء [٩] ليست
مع البلوى تغيّب نصف ساقي
و تغضب لي بأجمعها قصيّ
قطين البيت و الدّمث [١٠] الرّقاق
[١] لاحاه: خاصمه و شاتمه.
[٢] أمضه: آلمه و أوجعه.
[٣] الكتاف: الوثاق و هو الحبل الذي يكتف به.
[٤] الحرم: النساء.
[٥] كذا فيء. و في ت: «و أقامه على الناس». و في ح: «و أقامه للناس». و في سائر النسخ: و أقامه على البلس».
[٦] اختلط هنا: فسد عقله. يريد غضب غضبا شديدا حتى فسد عقله.
[٧] كذا في أكثر النسخ. و في أ، م: «عزيز». و في ت: «عزيز».
[٨] في ت: «و أقامهما على الناس في الحناطين».
[٩] في ت، ح: «برقاء» و البلقاء و البرقاء كلاهما: ما اجتمع فيه اللونان السواد و البياض.
[١٠] الدمث: جمع دمثاء، و هي الأرض اللينة السهلة.