الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٥٢ - خروج ابن الزبير على بني أمية و وفد يزيد بن معاوية له
بمنزلة حمامة من حمام مكة، أ فكنت قاتلا حماما من حمام مكة؟ قال: نعم، و ما حرمة حمام مكة! يا غلام، ائتني بقوسي و أسهمي، فأتاه بقوسه و أسهمه، فأخذ سهما فوضعه في كبد القوس ثم سدّده نحو حمامة من حمام المسجد و قال: يا حمامة، أ يشرب يزيد بن معاوية الخمر؟ قولي نعم، فو اللّه: لئن فعلت لأرمينّك. يا حمامة، أ تخلعين يزيد بن معاوية و تفارقين أمّة محمد صلى اللّه عليه و آله و سلّم، و تقيمين في الحرم حتى يستحلّ بك؟ و اللّه لئن فعلت لأرمينّك. فقال ابن الزّبير: ويحك! أ و يتكلم الطائر؟ قال: لا! و لكنك يا ابن الزبير تتكلم. أقسم باللّه لتبايعنّ طائعا أو مكرها أو لتتعرّفنّ راية الأشعريّين في هذه البطحاء، ثم لا أعظّم من حقّها ما تعظّم [١]. فقال ابن الزبير: أو تستحلّ [٢] الحرم! قال: إنما يستحلّه من ألحد فيه. فحبسهم شهرا ثم ردّهم إلى يزيد بن معاوية و لم يجبه إلى شيء. و في رواية أحمد بن الجعد: و قال بعض الشعراء- و هو أبو العباس الأعمى، و اسمه السائب بن فرّوخ يذكر ذلك و شبر ابن الزبير بطنه-:
ما زال في سورة الأعراف يدرسها
حتى بدا [٣] لي مثل الخزّ في اللّين
لو كان بطنك شبرا قد شبعت و قد
أفضلت فضلا كثيرا للمساكين [٤]
قال الهيثم: ثم إنّ ابن الزّبير مضى إلى صفيّة بنت أبي عبيد [٥] زوجة عبد اللّه بن عمر، فذكر لها أنّ خروجه كان غضبا للّه تعالى و رسوله- عليه السّلام- و المهاجرين/ و الأنصار من أثرة معاوية و ابنه [و أهله] [٦] بالفيء [٧]، و سألها مسألته أن يبايعه. فلما قدّمت له عشاءه ذكرت له أمر ابن الزبير و اجتهاده، و أثنت عليه و قالت: ما يدعو إلّا إلى طاعة اللّه جلّ و عزّ، و أكثرت القول في ذلك. فقال لها: أ ما رأيت بغلات معاوية اللواتي كان يحجّ عليهنّ [٨] الشّهب، فإنّ ابن الزبير ما يريد غيرهنّ! قال المدائنيّ في خبره: و أقام ابن الزبير على خلع يزيد و مالأه [٩] على ذلك أكثر الناس. فدخل عليه عبد اللّه بن مطيع و عبد اللّه بن حنظلة و أهل المدينة المسجد و أتوا المنبر فخلعوا يزيد.
فقال عبد اللّه بن أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزوميّ:/ خلعت يزيد كما خلعت عمامتي، و نزعها عن رأسه و قال: إني لأقول هذا و قد وصلني و أحسن جائزتي، و لكنّ عدوّ اللّه سكّير خمّير. و قال آخر: خلعته كما خلعت نعلي. و قال آخر: خلعته كما خلعت ثوبي. و قال آخر: قد خلعته كما خلعت خفّي، حتى كثرت العمائم و النّعال و الخفاف، و أظهروا البراءة منه و أجمعوا على ذلك، و امتنع منه عبد اللّه بن عمر و محمد بن عليّ بن أبي طالب- عليهما السّلام- و جرى بين محمد خاصّة و بين أصحاب ابن الزبير فيه قول كثير، حتى أرادوا إكراهه على ذلك،
[١] في أ، ت، م، ء: «ما يعظم».
[٢] هكذا في ت. و في سائر الأصول: «أ و يستحل الحرم، قال إنما يحله الخ».
[٣] كذا في أ، ء. و في سائر النسخ: «فؤادي».
[٤] في أ، ت، م، ء: «المساكين».
[٥] كذا في ت، ح، ر. و في سائر النسخ: «عبيد اللّه». و الذي في «كتب التراجم» أن زوجة ابن عمر هي صفية بنت أبي عبيد بن مسعود الثقفية.
[٦] زيادة في ب، س، ح.
[٧] الفىء: ما أفاء اللّه من أموال المشركين على المسلمين من غير حرب و لا جهاد مثل الجزية و ما صولحوا عليه؛ إذ أصل الفىء الرجوع، كأنه كان لهم فرجع إليهم. و الغنيمة: ما اغتنم في الحرب. و النّفل مثلها.
[٨] في ت: «التي كان يحج عليها» و في النسخ جميعا: «فإن ابن الزبير ما يريد غيرهن».
[٩] كذا في ت. و في سائر النسخ: «و ما لأ» بدون الضمير.