الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٢٣ - نسبة هذه الأغاني كلها
كلّما كفكفت [١] منّي عبرة
فاضت العين بمنهلّ درر [٢]
/ قال: فتلاحيا جميعا فيما صنعاه من هذين الصّوتين، فقال كلّ واحد منهما لصاحبه: أنا أجود صنعة منك.
فتنافرا [٣] إلى ابن سريج فمضيا إليه بمكة. فلمّا قدماها سألا عنه، فأخبرا أنه خرج يتطرّف [٤] بالحنّاء في بعض بساتينها. فاقتفيا أثره، حتى وقفا عليه و في يده الحنّاء، فقالا له: إنّا خرجنا إليك من المدينة لتحكم بيننا في صوتين صنعناهما. فقال لهما: ليغنّ كلّ واحد منكما صوته. فابتدأ معبد يغنّي لحنه. فقال له: أحسنت و اللّه على سوء اختيارك للشّعر! يا ويحك! ما حملك على أن ضيّعت هذه الصّنعة الجيّدة في حزن و سهر و هموم و فكر! أربعة ألوان من الحزن في بيت واحد، و في البيت الثاني شرّان في مصراع واحد، و هو قولك:
شرّ ما طار على شرّ الشّجر
ثم قال لمالك: هات ما عندك، فغنّاه مالك. فقال له: أحسنت و اللّه ما شئت! فقال له مالك: هذا و إنّما هو ابن شهره، فكيف تراه يا أبا يحيى يكون إذا حال عليه الحول! قال دحمان: فحدّثني معبد أنّ ابن سريج غضب عند ذلك غضبا/ شديدا، ثم رمى بالحنّاء من يديه و أصابعه و قال له: يا مالك، أ لي تقول ابن شهره! اسمع منّي ابن ساعته، ثم قال: يا أبا عبّاد أنشدني القصيدة التي تغنّيتما فيها. فأنشدته القصيدة حتى انتهيت إلى قوله:
تنكر الإثمد لا تعرفه
غير أن تسمع منه بخبر
فصاح بأعلى صوته: هذا خليلي و هذا صاحبي، ثم تغنّى فيه، فانصرفنا مفلولين مفضوحين من غير أن نقيم بمكة ساعة واحدة.
نسبة هذه الأغاني كلها
صوت
آب ليلي بهموم و فكر
من حبيب هاج حزني و السّهر
يوم أبصرت غرابا واقعا
شرّ ما طار على شرّ الشّجر
ينتف الرّيش على عبريّة [٥]
مرّة المقضم من روح العشر [٦]
[١] كفكف دمع العين: ردّه.
[٢] درر: جمع درّة. و الدرّة في الأمطار: أن يتبع بعضها بعضا؛ قال النمر بن تولب:
سلام الإله و ريحانه
و رحمته و سماه درر
أي ذات درر. و هو يريد بمنهل ذي درر. و قيل: الدرر: الدارّ؛ كقوله تعالى: (دِيناً قِيَماً) أي قائما.
[٣] تنافرا: تحاكما. قال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان كل واحد منهما على صاحبه ثم يحكّما بينهما رجلا.
[٤] يتطرّف بالحناء: يخضب أطراف أصابعه به.
[٥] قال صاحب «اللسان» في مادة عبر: العبرية واحدة العبريّ و هو من السّدر (شجر النبق) ما نبت على عبر النهر و عظم، منسوب إلى العبر بالكسر على غير قياس. و قال يعقوب: العبري و العمري منه ما شرب الماء و الذي لا يشرب يكون بريا و هو الضال. و قال أبو زيد: العبري السدر و ما عظم من العوسج (و العوسج شجر من شجر الشوك و له تمر أحمر مدوّر كأنه خرز العقيق). و ليس شيء من هذه المعاني يتفق و قوله في آخر البيت «من دوح العشر». فلعله يريد سنا: على عبرية بكسر العين أي على شجرة من شجر العشر نابتة على عبر النهر.
[٦] قال أبو حنيفة: العشر من العضاه و هو من كبار الشجر له صمغ حلو و هو عريض الورق ينبت صعدا في السماء و له سكّر يخرج من-