الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٤٠ - الوليد بن عبد الملك و ابن سريج
بكاها و ما يدري سوى الظّنّ من بكى
أحيا يبكّى [١] أم ترابا و أعظما
فدعها و أخلف للخليفة مدحة
تزل عنك بؤس أو تفيدك [٢] أنعما
فإنّ بكفّيه مفاتيح رحمة
و غيث حيا يحيا به الناس مرهما [٣]
إمام أتاه الملك عفوا و لم يثب
على ملكه مالا حراما و لا دما
تخيّره ربّ العباد لخلقه
وليّا و كان اللّه بالناس أعلما
فلمّا قضاه [٤] اللّه لم يدع مسلما
لبيعته إلّا أجاب و سلّما
ينال الغنى و العزّ من نال ودّه
و يرهب موتا عاجلا من تشأّما [٥]
فقال الوليد: أحسنت و اللّه و أحسن الأحوص! عليّ بالأحوص. ثم قال: يا عبيد هيه! فغنّاه بشعر عديّ بن الرّقاع العامليّ يمدح الوليد:
صوت
طار الكرى و ألمّ [٦] الهمّ فاكتنعا [٧]
و حيل بيني و بين النّوم فامتنعا
كان الشّباب قناعا أستكنّ به
و أستظلّ زمانا ثمّت انقشعا
فاستبدل الرأس شيبا بعد داجية
فينانة [٨] ما ترى في صدغها نزعا [٩]
فإن تكن ميعة [١٠] من باطل ذهبت
و أعقب اللّه بعد الصّبوة الورعا
فقد أبيت أراعي الخود [١١] راقدة
على الوسائد مسرورا بها و لعا
برّاقة الثّغر تشفي القلب لذّتها
إذا مقبّلها في ريقها كرعا [١٢]
كالأقحوان بضاحي الرّوض صبّحه
غيث أرشّ بتنضاح [١٣] و ما نقعا [١٤]
[١] بكاه بكاء بالتخفيف و بكاه بالتشديد، كلاهما بكى عليه و رثاه.
[٢] رفع الفعل هنا على توهم أن الأوّل مرفوع كأنه قيل: تزيل عنك بؤسي أو تفيدك أنعما، أو على أنه مستأنف كأنه قيل أو هي تفيدك أنعما. انظر «كتاب سيبويه» طبع المطبعة الأميرية ج ١ ص ٤٢٩ و «المغني» مع حاشية الأمير (ج ٢ ص ١٩٧- ١٩٨)
[٣] أرهمت السماء: أتت بالرّهام جمع رهمة، و هي المطر الضعيف الدائم.
[٤] في ت: «ارتضاه».
[٥] تشأم بمعنى تشاءم.
[٦] ألم: نزل.
[٧] اكتنع: دنا و حضر.
[٨] فينانة: حسنة الشعر طويلته.
[٩] النزع: انحسار مقدّم شعر الرأس عن جانبي الجبهة.
[١٠] ميعة كل شيء: معظمه و حدّته.
[١١] الخود: الفتاة الحسنة الخلق الشابة ما لم تصر نصفا.
[١٢] كرع في الماء (كمنع و سمع) كرعا و كروعا: تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه و لا بإناء.
[١٣] التنضاح: من النضح و هو الرش. يريد أنه يبله بقليل من المطر.
[١٤] ما نقعا، أي ما أروى.