الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٩١ - نصيب و عبد الواحد النصري أمير المدينة
بمنزلته عند الخليفة، فأشار إليه إبراهيم بن عبد اللّه بن مطيع أن اسكت و كفّ و اخرج، فإنّي كافيك. فلمّا خرج إبراهيم لقيه نصيب، فقال له: أشرت إليّ فكرهت أن أغضبك، فما كرهت لي من مراجعته و الصّلابة له و من ورائي المستعتب من أمير المؤمنين؟ فقال إبراهيم: هو رجل عربيّ حديد غلق [١]، و خشيت إن جاذبته شيئا ألّا يرجع عنه و أن يمضي عليه و يلجّ [٢] فيه، و هو مالك للأمر و له فيه [٣] سلطان،/ فأردت أن تخرج قبل أن يلجّ و يظهر منه ما لا يرجع عنه فيمضي عليه و يلجّ فيه، فتنتظر لتصادف منه طيب نفس فتكلّمه و نرفدك [٤] عنده. فقال نصيب:
/ يومان يوم لرزيق [٥] فسل
و يومه الآخر سمح فضل
أنا- جعلت فداءك- فاعل ذلك، فإذا رأيت القول فأشر إليّ حتى أكلّمه.
قال: و دخل إليه نصيب عشيّات، كلّ ذلك يشير إليه ابن مطيع ألّا يكلّمه، حتى صادف عشيّة من العشيّات منه طيب نفس، فأشار إليه أن كلّمه. فكلّمه نصيب فأصاب مختله [٦] بكلامه، ثم قال: إنّي قد قلت شعرا فاسمعه أيّها الأمير و أجزه، ثم قال:
أهاج البكا ربع بأسفل ذي السّدر [٧]
[٨] عفاه اختلاف العصر بعدك و القطر
نعم فثناني الوجد فاشتقت للّذي
ذكرت و ليس الشوق إلا مع الذّكر
حلفت بربّ الموضعين [٩] لربّهم
و حرمة ما بين المقام إلى الحجر
لئن حاجتي يوما قضيت و رشتني [١٠]
بنفحة عرف من يديك أبا بشر [١١]
لتعترفنّ [١٢] الدّهر منّي مودّة
و نصحا على نصح و شكرا على شكر
سقى اللّه صوب المزن أرضا عمرتها [١٣]
بريّ و أسقاها [١٤] بلاد بني نصر
[١] الغلق هنا: الضيق الخلق العسر الرضا.
[٢] يلجّ فيه: يتمادى عليه، يقال: لجّ في الأمر، إذا تمادى عليه و أبى أن ينصرف عنه.
[٣] في ح، ر: «و له فينا سلطان».
[٤] رفده و أرفده: أعانه.
[٥] في ت، ح: «لزريق». و الفسل: الرديء الرذل من كل شيء.
[٦] في ح: «نخيلة كلامه».
[٧] ذو السدر: اسم موضع بعينه، كذا ذكره ياقوت و لم يبينه.
[٨] عفت الرّيح الدار كعفّتها: جعلتها دارسة بالية.
[٩] الموضعين: المسرعين في السير، من الإيضاع و هو سير مثل الخبب.
[١٠] يقال: رشت فلانا، إذا قوّيت جناحه بالإحسان فارتاش و تريّش، قال الشاعر:
فرشني بخير طالما قد بريتني
و خير الموالي من يريش و لا يبري
[١١] في ت: «أبا بكر».
[١٢] في ت: «ليعترفن». و في م، ح: «لتعرفن» و كلاهما تحريف. و في سائر الأصول: «إذا تعرفن». و اعترف هنا بمعنى عرف، و مثله قول أبي ذؤيب يصف نعاما:
مرته النعامى فلم يعترف
خلاف النعامى من الشام ريحا
و النعامى: من أسماء ريح الجنوب.
[١٣] كذا في أكثر النسخ. و في ت: «حللتها بريّ». و في ح، ر: «حللتها رهاما». و الرهام: جمع رهمة و هي المطر الضعيف الدائم.
[١٤] كذا في ح، ر. و في سائر النسخ: «فأسقاها».