الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٣٨ - ارتحال جرير من المدينة إلى مكة ليسمع غناء ابن سريج في سفره
ارتحال جرير من المدينة إلى مكة ليسمع غناء ابن سريج في سفره
أخبرني الحسين بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال حدّثني إسحاق بن يحيى بن طلحة قال:
قدم جرير بن الخطفى المدينة و نحن يومئذ شباب نطلب الشّعر، فاحتشدنا له و معنا أشعب. فبينا نحن عنده إذ قام لحاجة و أقمنا لم نبرح. و جاء الأحوص بن محمد الشاعر من قباء على حمار فقال: أين هذا؟ فقلنا: قام لحاجة، فما حاجتك إليه؟ قال: أريد و اللّه أنّ أعلمه أنّ الفرزدق أشعر منه و أشرف. قلنا: ويحك! لا تعرض له و انصرف، فانصرف و خرج. فجاء جرير فلم يكن بأسرع من أن أقبل الأحوص الشاعر فأقبل عليه، فقال: السّلام عليك يا جرير. قال جرير: و عليك السّلام. فقال الأحوص: يا بن الخطفى، الفرزدق أشرف منك و أشعر. قال جرير: من هذا أخزاه اللّه! قلنا: الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح. فقال: نعم! هذا الخبيث ابن الطيب، أ أنت القائل:
يقرّ بعيني ما يقرّ بعينها
و أحسن شيء ما به العين قرّت
/ قال نعم. قال: فإنه يقرّ بعينها أن يدخل فيها مثل ذراع البكر، أ فيقرّ ذلك بعينك؟! قال: و كان الأحوص يرمى بالحلاق [١] فانصرف، فبعث إليهم بتمر و فاكهة. و أقبلنا على جرير نسائله، و أشعب عند الباب و جرير في مؤخّر البيت، فألحّ عليه أشعب/ يسأل. فقال: و اللّه إنّي لأراك أقبحهم [٢] وجها و أراك ألأمهم حسبا؛ فقد أبرمتني [٣] منذ اليوم. قال: إنّي و اللّه أنفعهم و خيرهم لك. فانتبه جرير و قال: ويحك! كيف ذاك؟ قال: إني أملّح شعرك و أجيد مقاطعه و مبادئه. فقال: قل، ويحك! فاندفع أشعب فنادى بلحن ابن سريج:
يا أخت [٤] ناجية السّلام عليكم
قبل الرّحيل و قبل عدل [٥] العذّل
لو كنت أعلم أنّ آخر عهدكم
يوم الرّحيل [٦] فعلت ما لم أفعل
فطرب جرير و جعل يزحف نحوه حتى ألصق بركبته ركبته، و قال: لعمري لقد صدقت، إنك لأنفعهم لي و قد حسّنته و أجدته و زيّنته، أحسنت و اللّه، ثم وصله و كساه. فلمّا رأينا إعجاب جرير بذلك الصوت، قال له بعض أهل المجلس: فكيف لو سمعت واضع هذا الغناء؟ قال: أو إن له لواضعا غير هذا؟ فقلنا نعم. قال: فأين هو؟ قلنا:
بمكّة قال: فلست بمفارق حجازكم حتى أبلغه. فمضى و مضى معه جماعة ممن يرغب في طلب الشعر في صحابته و كنت فيهم، فأتيناه جميعا، فإذا هو في فتية من قريش كأنّهم المها مع ظرف كثير، فأدنوا و رحّبوا و سألوا عن الحاجة، فأخبرناهم الخبر، فرحّبوا بجرير و أدنوه و سرّوا بمكانه، و أعظم عبيد بن سريج موضع جرير و قال: سل ما تريد جعلت فداءك! قال: أريد أن تغنّيني لحنا سمعته بالمدينة أزعجني إليك. قال: و ما هو؟ قال:
[١] الحلاق: صفة تنافي الرجولة، و قد أشار إليه ابن سيده بقوله: الحلاق بضم الحاء و فتح اللام: صفة سوء، كأن متاع الإنسان يفسد فتعود حرارته إلى هنالك. (انظر «اللسان» مادّة حلق).
[٢] في أ، م، ب، س: «اوقحهم».
[٣] أبرمتني: أضجرتني.
[٤] في «ديوان» جرير المطبوع بالمطبعة العلمية بمصر سنة ١٣١٣: «يا أم ناجية».
[٥] في ت، ح، ر: «لوم العذل».
[٦] كذا في «ديوانه» و أكثر النسخ. و في ح، ر: «الوداع».