الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٨٨
الجن و الإنس أن يعبدوه. يعني لما أراد أن يأمر من شاء منهم بعبادته، عرفهم وجوه العبادات، و بين لهم حدودها و شروطها، و خلق لهم مدارك و مشاعر، و قوى و جوارح، فخاطبهم و كلفهم، و بشرهم و أنذرهم، و أمهلهم، و حملهم دون ما تتسع له بنيتهم. فصارت العلل مزاحة، و حجج العصاة و المقصرين منقطعة.
و قال في معنى الرحيم: إنه المثيب على العمل، فلا يضيع لعامل عملا، و لا يهدر لساع سعيا، و ينيله بفضل رحمته من الثواب أضعاف عمله.
و قال أبو سليمان الخطابي فيما أخبرت عنه: اختلف الناس في تفسير الرحمن، و معناه، و هل هو مشتق من الرحمة أو لا؟ فذهب بعضهم إلى أنه غير مشتق، لأنه لو كان مشتقا من الرحمة، لا تصل بذكر المرحوم، فجاز أن يقال:
اللّه رحمن بعباده، كما يقال: رحيم بعباده. و لأنه لو كان مشتقا من الرحمة، لأنكرته العرب حين سمعوه، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم. و قد قال اللّه (عز و جل): وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَ مَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَ زادَهُمْ نُفُوراً [١].
و زعم بعضهم أنه اسم عبراني. و ذهب الجمهور من الناس إلى أنه مشتق من الرحمة مبني على المبالغة. و معناه: ذو الرحمة لا نظير له فيها.
و لذلك لا يثني و لا يجمع، كما يثنى الرحيم و يجمع. و بناء فعلان في كلامهم بناء المبالغة. يقال لشديد الامتلاء: ملآن. و لشديد الشبع: شبعان. و الذي يدل على مذهب الاشتقاق في هذا الاسم حديث عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه. يعني ما أخبرنا أبو محمد عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني، أنا أبو بكر، محمد ابن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف السلمي، حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: إن أبا الرداد الليثي أخبره عن عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنه أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول: قال اللّه (عز و جل): أنا
[١] سورة الفرقان آية ٦٠.