الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٦٠٤
عن أبي ذر، و قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة، ليس في حديث واحد منهما شيء من ذلك، و قد ذكر شريك بن عبد اللّه بن أبي نمر في روايته هذه ما يستدل به على أنه لم يحفظ الحديث كما ينبغي له من نسيانه ما حفظه غيره، و من مخالفته في مقامات الأنبياء الذين رآهم في السماء من هو أحفظ منه، و قال في آخر الحديث، «فاستيقظ و هو في المسجد» و معراج النبي صلى اللّه عليه و سلم كان رؤية عين، و إنما شق صدره كان و هو صلى اللّه عليه و سلم بين النائم و اليقظان، ثم إن هذه القصة بطولها إنما هي حكاية حكاها شريك عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه من تلقاء نفسه، لم يعزها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و لا رواها عنه، و لا أضافها إلى قوله، و قد خالفه فيما تفرد به منها عبد اللّه بن مسعود و عائشة و أبو هريرة رضي اللّه عنهم و هم أحفظ و أكبر و أكثر، و روت عائشة و ابن مسعود رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه و سلم ما دل على أن قوله ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى* فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى [١] المراد به جبريل عليه الصلاة و السلام في صورته التي خلق عليها.
قال أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه: و الذي قيل في هذه الآية أقوال؛ «أحدها» أنه دنا يعني جبريل عليه الصلاة و السلام من محمد صلى اللّه عليه و سلم فتدلى أي فقرب منه «و قال بعضهم» إن معنى قوله ثم دنا فتدلى على التقديم و التأخير، أي تدلى و دنا، و ذلك أن التدلي سبب الدنو.
أخبرنا بهذا القول أبو سعيد بن أبي عمرو حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا محمد بن الجهم قال قال الفراء قوله تبارك و تعالى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى يعني جبريل عليه الصلاة و السلام دنا، من محمد صلى اللّه عليه و سلم حتى كان قاب قوسين أو أدنى أي قدر قوسين عربيتين أو أدنى، فأوحى يعني جبريل عليه الصلاة و السلام إلى عبده إلى عبد اللّه محمد ما أوحى قال الفراء قوله فتدلى كان المعنى ثم تدلى فدنا، و لكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد، قدمت أيهما شئت فقلت: فدنا فقرب، و قرب فدنا، و شتمني فأساء، و أساء فشتمني، لأن الشتم و الاساءة شيء واحد، و كذلك قوله اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَ انْشَقَّ الْقَمَرُ [٢] المعنى و اللّه أعلم انشق القمر و اقتربت الساعة، و المعنى
[١] سورة النجم الآيتان ٨، ٩.
[٢] سورة القمر آية ١.