الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٤٣٦
الكرة الأولى حتى قالوا: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا من أجل من معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية، و هم عن ربهم محجوبون. فلما تميزوا عنهم، ارتفع الحجاب فقالوا عند ما رأوه: أنت ربنا. و قد يحتمل أن يكون ذلك قول المنافقين دون المؤمنين.
قال: و أما ذكر الصورة في هذه القصة، فإني الذي يجب علينا و على كل مسلم أن يعلمه أن ربنا ليس بذي صورة و لا هيئة. فإن الصورة تقتضي الكيفية، و هي عن اللّه و عن صفاته منفية. و قد يتأول معناها على وجهين:-
أحدهما: أن تكون الصورة بمعنى الصفة، كقول القائل: «صورة هذا الأمر كذا و كذا»، يريد صفته، فتوضع الصورة موضع الصفة.
و الوجه الآخر: أن المذكور من المعبودات في أول الحديث إنما هي صور و أجسام كالشمس و القمر و الطواغيت و نحوهما. ثم لما عطف عليها ذكر اللّه (سبحانه) خرج الكلام فيه على وضع من المطابقة، فقيل: يأتيهم اللّه في صورة كذا، إذا كانت المذكورات قبله صورا و أجساما. و قد يحمل آخر الكلام على أوله في اللفظ و يعطف بأحد الاسمين على الآخر. و المعنيان متباينان و هو كثير في كلامهم، كالعمرين و الأسودين و العصرين. و مثله في الكلام كثير. و مما يؤكد التأويل الأول- و هو «أن معنى الصورة الصفة»- قوله من رواية عطاء بن يسار عن أبي سعيد: «فيأتيهم اللّه في أدنى صورة من التي رأوه فيها، و هم لم يكونوا رأوه قط قبل ذلك»، فعلمت أن المعنى في ذلك الصفة التي عرفوه بها. و قد تكون الرؤية بمعنى العلم، كقوله: وَ أَرِنا مَناسِكَنا [١].
أي علمنا.
قال أبو سليمان: و من الواجب في هذا الباب أن نعلم أن مثل هذه الألفاظ التي تستشنعها النفوس إنما خرجت على سعة مجال كلام العرب و مصارف لغاتها، و أن مذهب كثير من الصحابة و أكثر الرواة من أهل النقل
[١] سورة البقرة آية ١٢٨.