الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٥٥١
قال: و قيل فيها قول آخر: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ [١]؟ أم خلقوا لغير شيء؟ أي: خلقوا باطلا لا يحاسبون و لا يؤمرون، و لا ينهون.
قال الشيخ أبو سليمان: و هاهنا قول ثالث هو أجود من القولين اللذين ذكرهما أبو إسحاق، و هو الذي يليق بنظم الكلام، و هو أن يكون المعنى: أم خلقوا من غير شيء فوجدوا بلا خالق. و ذلك ما لا يجوز أن يكون لأن تعلق الخلق بالخالق من ضرورة الأمر فلا بد له من خالق، فإذ قد أنكروا الإله الخالق و لم يجز أن يوجدوا بلا خالق خلقهم أفهم الخالقون لأنفسهم؟ و ذلك في الفساد أكثر، و في الباطل أشد، لأن ما لا وجود له كيف يجوز أن يكون موصوفا بالقدرة، و كيف يخلق، و كيف يتأتى منه الفعل؟ و إذا بطل الوجهان معا، قامت الحجة عليهم بأن لهم خالقا، فليؤمنوا به إذا. ثم قال: أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [٢]. و ذلك شيء لا يمكنهم أن يدعوه بوجه، فهم منقطعون، و الحجة لازمة لهم من الوجهين معا. ثم قال:
بَلْ لا يُوقِنُونَ [٣] فذكر العلة التي عاقتهم عن الإيمان، و هي عدم اليقين الذي هو موهبة من اللّه عز و جل، فلا ينال إلا بتوفيقه. و لهذا كان انزعاج جبير بن مطعم رضي اللّه عنه حتى قال: كاد قلبي أن يطير. و اللّه أعلم.
و هذا باب لا يفهمه إلا أرباب القلوب.
قلت: و قد روى محمد بن السائب عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما تفسير هذه السورة، و قال في هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ [٤] من غير رب؟ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ [٥] يعني أهل مكة.
[١] سورة الطور آية ٣٥.
[٢] سورة الطور آية ٣٦.
[٣] سورة الطور آية ٣٦.
[٤] سورة الطور آية ٣٥.
[٥] سورة الطور آية ٣٥.