الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٦٢٠
عليه، فلا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أكون له سمعا و بصرا» [١] و هذا القول من الرسول صلى اللّه عليه و سلم من لطيف التمثيل عند ذوي التحصيل، البعيد من التشبيه، المكين من التوحيد، و هو أن يستولي الحق على المتقرب إليه بالنوافل حتى لا يسمع شيئا إلا به، و لا ينطق إلا عنه، نشرا لآلائه، و ذكرا لنعمائه، و إخبارا عن منته المستغرقة للخلق، فهذا معنى قوله يسمع به و ينطق و لا يقع نظره على منظور إليه إلا رآه بقلبه موحدا، و بلطائف آثار حكمته و مواقع قدرته من ذلك المرئي المشاهد، يشهده بعين التدبير و تحقيق التقدير، و تصديق التصوير.
و في كل شيء له شاهد
يدل على أنه واحد
فتقرب العبد بالإحسان، و تقرب الحق بالامتنان، يريد أنه الذي أدناه و تقرب العبد إليه بالتوبة و الإنابة، و تقرب الباري إليه بالرحمة و المغفرة، و تقرب العبد إليه بالسؤال، و تقربه إليه بالنوال، و تقرب العبد إليه بالسر و تقربه إليه بالبشر، لا من حيث توهمته الفرقة المضلة الأعمال و المتغابية بالأعثار.
و قد قيل في معناه إذا تقرب العبد إلي بما به تعبدته، تقربت إليه بما له عليه وحدته، و قيل في معناه: إنما هو كلام خرج على طريق القرب من القلوب دون الحواس، مع السلامة من العيوب، على حسب ما يعرفه المشاهدون، و يجده العابدون، من أخبار دنو من يدنو منه، و قرب من يتقرب إليه، فقال على هذه السبيل، و على مذهب التمثيل و لسان التعليم بما يقرب من التفهيم، إن قرب الباري من خلقه يقربهم إليه بالخروج فيما أوجبه عليهم، هكذا القول في الهرولة، إنما يخبر عن سرعة القبول، و حقيقة الإقبال و درجة الوصول، و الوصف الذي يرجع إلى المخلوق مصروف على ما هو به لائق، و بكونه متحقق، و الوصف الذي يرجع إلى اللّه سبحانه و تعالى يصرفه لسان التوحيد، و بيان التجريد، إلى نعوته المتعالية، و أسمائه الحسنى، و لو لا
[١] الحديث أخرجه الإمام البخاري في كتاب الرقاق ٢٨ باب التواضع ٦٥٠٢ بسنده عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ذكره. و أخرجه الإمام أحمد في كتاب المسند ٦:
٢٥٦ (حلبي).