الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٦٦٦
حتى يكون ذلك على أحكام طباع الآدميين و قياس أحوالهم، غير واجب في حق النظر، و للّه عز و جل لطائف و خصائص يخص بها من يشاء من أنبيائه و أوليائه، و يفردهم بحكمها دون سائر خلقه، و قد أعطى موسى صلوات اللّه عليه النبوة، و اصطفاه بمناجاته و كلامه، و أمره حين أرسله إلى فرعون بالمعجزات الباهرة، كالعصا [١] و اليد البيضاء [٢]، و سخر له البحر [٣] فصار طريقا يبسا، جاء عليه هو و قومه و أولياؤه، و غرق فيه خصمه و أعداؤه، و هذه أمور أكرمه اللّه بها، و أفرده بالاختصاص فيها، أيام حياته و مدة بقائه في دار الدنيا ثم إنه لما دنا حين وفاته، و هو بشر يكره الموت طبعا، و يجد ألمه حسا، لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، و لم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرا و قسرا، لكن أرسله إليه منذرا بالموت، و أمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر، فلما رآه موسى استنكر شأنه، و استوعر مكانه، فاحتجر منه دفعا عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في صورة البشرية التي جاءه فيها دون صورة الملكية التي هو مجبول الخلقة عليها، و مثل هذه الأمور مما يعلل به طباع البشر، و تطيب به نفوسهم في المكروه الذي هو واقع بهم فإنه لا شيء أشفى للنفس من الانتقام ممن يكبدها و يريدها بسوء، و قد كان من طبع موسى صلوات اللّه و سلامه عليه فيما دل عليه آي من القرآن حما وحدة و قد قص علينا الكتاب ما كان من وكزه القبطي الذي قضى عليه، و ما كان عند غضبه من إلقائه الألواح، و أخذه برأس أخيه يجره إليه، و قد روي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا، و قد جرت سنة الدين بحفظ النفس و دفع الضرر و الضيم عنها، و من شريعة نبينا صلى اللّه عليه و سلم ما سنه فيمن اطلع على محرم قوم من عقوبته في عينه، فقال «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه» [٤].
[١] قال تعالى: فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ سورة الاعراف آية ١٠٧ و سورة الشعراء آية ٣٢.
[٢] قال تعالى: وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ سورة طه آية ٢٢.
[٣] قال تعالى: أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً سورة طه آية رقم ٧٧.
[٤] الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الاستئذان باب ١٧ من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ٢٧٠٩ بسنده عن سهل بن سعد الساعدي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و ذكره.