الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٥٧١
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف و دم مهراق
يريد أنه غلب أهله من غير محاربة. قال: و ليس ذلك في الآية بمعنى الاستيلاء، لأن الاستيلاء غلبة مع توقع ضعف، قال و مما يؤيد ما قلناه قوله عز و جل ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ [١] و الاستواء إلى السماء هو القصد إلى خلق السماء، فلما جاز أن يكون القصد إلى السماء استواء جاز أن تكون القدرة على العرش استواء.
أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ و محمد بن موسى قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن الجهم حدثنا يحيى بن زياد الفراء في قوله عز و جل: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَ [٢] قال الاستواء في كلام العرب على جهتين (إحداهما) أن يستوي الرجل و ينتهي شبابه و قوته (أو يستوي) من اعوجاج فهذان وجهان (و وجه ثالث) أن تقول كان مقبلا على فلان ثم استوى على يشاتمني و إلى سواء، على معنى أقبل إليّ و عليّ، فهذا معنى قوله استوى إلى السماء و اللّه أعلم.
قال: و قد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما ثم استوى صعد و هذا كقولك للرجل كان قاعدا فاستوى قائما أو كان قائما فاستوى قاعدا، و كل في كلام العرب جائز.
قلت: قوله استوى بمعنى أقبل صحيح لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء و القصد هو الإرادة و ذلك هو جائز في صفات اللّه تعالى، و لفظ ثم تعلق بالخلق لا بالإرادة.
و أما ما حكي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما فإنما أخذه عن تفسير الكلبي، و الكلبي ضعيف، و الرواية عنه عندنا في أحد الموضعين كما ذكره الفراء، و في موضع آخر كما أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن محبور أنا الحسين بن محمد بن هارون أنا أحمد بن محمد بن نصر حدثنا يوسف بن بلال عن محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله
[١] سورة فصلت آية ١١.
[٢] سورة البقرة آية ٢٩.