الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٥٧٠
و حكى الأستاذ أبو بكر بن فورك هذه الطريقة عن بعض أصحابنا أنه قال: استوى بمعنى علا ثم قال: و لا يريد بذلك علوا بالمسافة و التحيز و الكون في مكان متمكنا فيه، و لكن يريد معنى قول اللّه عز و جل أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ [١] أي من فوقها على معنى نفي الحد عنه، و أنه ليس مما يحويه طبق أو يحيط به قطر، و وصف اللّه سبحانه و تعالى بذلك طريقة الخبر، فلا تتعدى ما ورد به الخبر.
قلت: و هو على هذه الطريقة من صفات الذات، و كلمة ثم تعلقت بالمستوى عليه، لا بالاستواء، و هو كقوله ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ [٢] يعني ثم يكون عجلهم فيشهده، و قد أشار أبو الحسن علي بن اسماعيل إلى هذه الطريقة حكاية، فقال و قال بعض أصحابنا، إنه صفة ذات، و لا يقال لم يزل مستويا على عرشه، كما أن العلم بأن الأشياء قد حدثت من صفات الذات، و لا يقال لم يزل عالما بأن قد حدثت، و لما حدثت بعد، قال و جوابي هو الأول و هو أن اللّه مستو على عرشه، و أنه فوق الأشياء بائن منها بمعنى أنها لا تحله و لا يحلها، و لا يمسها و لا يشبهها. و ليست البينونة بالعزلة تعالى اللّه ربنا عن الحلول و المماسة علوا كبيرا.
قال و قد قال بعض أصحابنا: إن الاستواء صفة اللّه تعالى ينفي الاعوجاج عنه و فيما كتب إلى الاستاذ أبو منصور بن أبي أيوب أن كثيرا من متأخري أصحابنا ذهبوا إلى أن الاستواء هو القهر و الغلبة، و معناه أن الرحمن غلب العرش و قهره، و فائدته الاخبار عن قهره مملوكاته، و أنها لم تقهره، و إنما خص العرش بالذكر لأنه أعظم المملوكات، فنبه بالأعلى على الأدنى، قال و الاستواء بمعنى القهر و الغلبة شائع في اللغة، كما يقال استوى فلان على الناحية إذا غلب أهلها.
و قال الشاعر في بشر بن مردان [٣]:
[١] سورة الملك آية ١٦.
[٢] سورة يونس آية ٤٦.
[٣] راجع ترجمة له وافية فيما سبق.