الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٤٨٩
يكون قد استعمله مع هذا الحبر. و الدليل على صحة ذلك أنه لم ينطق فيه بحرف تصديقا له أو تكذيبا، إنما ظهر منه في ذلك الضحك المخيل للرضا مرة، و التعجب و الإنكار أخرى. ثم تلا الآية، و الآية محتملة للوجهين معا، و ليس فيها للإصبع ذكر. و قول من قال من الرواة: «تصديقا لقول الحبر» ظن و حسبان. و الأمر فيه ضعيف إذ كان لا تمحض شهادته لأحد الوجهين، و ربما استدل المستدل بحمرة اللون على الخجل، و بصفرته على الوجل، و ذلك غالب مجرى العادة في مثله، ثم لا يخلو ذلك من ارتياب و شك في صدق الشهادة منهما بذلك لجواز أن تكون الحمرة لهياج دم و زيادة مقدار له في البدن، و أن تكون الصفرة لهياج مواد و ثوران خلط، و نحو ذلك، فالاستدلال بالتبسم و الضحك في مثل هذا الأمر الجسيم قدره، الجليل خطره غير سائغ مع تكافؤ وجهي الدلالة المتعارضين فيه. و لو صح الخبر من طريق الرواية كان ظاهر اللفظ منه متأولا على نوع من المجاز أو ضرب من التمثيل قد جرت به عادة الكلام بين الناس في عرف تخاطبهم، فيكون المعنى في ذلك على تأويل قوله عز و جل وَ السَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ [١]، أي: قدرته على طيها و سهولة الأمر في جمعها، و قلة اعتياصها عليه بمنزلة من جمع شيئا في كفه، فاستخف حمله، فلم يشتمل بجميع كفه عليه، لكنه يقله ببعض أصابعه، فقد يقول الإنسان في الأمر الشاق إذا أضيف إلى الرجل القوي المستقل بعيبه إنه ليأتي عليه باصبع واحدة، أو انه يعمله بخنصره، أو أنه يكفيه بصغرى أصابعه، أو ما أشبه ذلك من الكلام الذي يراد به الاستظهار في القدرة عليه و الاستهانة به كقول الشاعر:
الرمح لا أملأ كفي به
و اللبد لا أتبع تزاوله
يريد أنه لا يتكلّف، أي يجمع كفه، فيشتمل بها كلها على الرمح، لكن يطعن به خلسا بأطراف أصابعه.
[١] سورة الزمر آية ٦٧.