الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ٤٣٥
الشيخ أبو سليمان الخطابي رحمه اللّه في تفسير هذا الحديث و تأويله بما فيه الكفاية، فقال: قوله: «هل تمارون» من المرية و هي الشك في الشيء و الاختلاف فيه. و أصله «تتمارون» فأسقط إحدى التاءين.
و أما قوله: «فيأتيهم اللّه» إلى تمام الفصل، فإن هذا موضع يحتاج الكلام فيه إلى تأويل و تخريج. و ليس ذلك من أجل أننا ننكر رؤية اللّه (سبحانه)، بل نثبتها. و لا من أجل أنّا ندفع ما جاء في الكتاب، و في أخبار رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم من ذلك المجيء و الإتيان، غير أنّا لا نكيف ذلك و لا جعله حركة و انتقالا كمجيء الأشخاص و إتيانها، فإن غير ذلك من نعوت الحدث، و تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا. و يجب أن تعلم أن الرؤية التي هي ثواب للأولياء و كرامة لهم في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة في مقامهم يوم القيامة.
و احتج بحديث صهيب في الرؤية بعد دخولهم الجنة. و إنما تعريضهم لهذه الرؤية امتحان من اللّه (عز و جل) لهم يقع بها التميز بين من عبد اللّه و بين من عبد الشمس و القمر و الطواغيت. فيتبع كل من الفريقين معبوده. و ليس ننكر أن يكون الامتحان، إذ ذاك يعد قائما، و حكمه على الخلق جاريا حتى يفرغ من الحساب، و يقع الجزاء بما يستحقونه من الثواب و العقاب. ثم ينقطع إذا حقت الحقائق و استقرت أمور العباد قرارها. ألا ترى قوله: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ [١].
فامتحنوا هناك بالسجود. و جاء في الحديث أن المؤمنين يسجدون، و تبقى ظهور المنافقين طبقا واحدا.
قال: و تخريج معنى إتيان اللّه في هذا إياهم أنه يشهدهم رؤيته ليثبتوه، فتكون معرفتهم له في الآخرة عيانا، كما كان اعترافهم برؤيته في الدنيا علما و استدلالا. و يكون طروء الرؤية بعد أن لم يكن بمنزلة إتيان الآتي من حيث لم يكونوا شاهدون فيه.
قيل: و يشبه أن يكون- و اللّه أعلم- إنما حجبهم عن تحقيق الرؤية في
[١] سورة القلم آية ٤٢.