الأسماء و الصفات - البيهقي، أبو بكر - الصفحة ١٩٣
و هو يعلم المجاهدين و الصابرين بغير ابتلاء، ففيه وجهان:
أحدهما: أن العرب تشترط للجاهل إذا كلمته شبه هذا شرطا تسنده إلى أنفسها، و هي عالمة، و مخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم من ذلك أن يقول القائل: النار تحرق الحطب. فيقول الجاهل، بل الحطب يحرق النار. فيقول العالم: سنأتي بحطب و نار لنعلم أيهما يأكل صاحبه، أو قال: أيهما يحرق صاحبه، و هو عالم، فهذا وجه بين. و الوجه الآخر: أن يقول: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ [١].
معناه: حتى نعلم عندكم، فكأن الفعل لهم في الأصل. و مثله مما يدلك عليه قوله: وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [٢].
عندكم يا كفرة. و لم يقل: عندكم. و ذلك معناه. و مثله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [٣].
أي عند نفسك، إذ كنت تقوله في دنياك. و مثله: قال اللّه لعيسى:
أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ [٤].
و هو يعلم ما يقول و ما يجيبه. فرد عليه عيسى. و عيسى يعلم أن اللّه لا يحتاج إلى إجابته. فكما صلح أن يسأل عما يعلم، و يلتمس من عبده و نبيه الجواب. فكذلك يشترط ما يعلم من فعل نفسه، حتى كأنه عند الجاهل لا يعلم.
و حكى المزني عن الشافعي رضي اللّه عنه في قوله تعالى: وَ ما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ [٥].
يقول: إلا لنعلم أن قد علمتم من يتبع الرسول. و علم اللّه تعالى كان
[١] سورة محمد آية ٣١.
[٢] سورة الروم آية ٢٧.
[٣] سورة الدخان آية ٤٩.
[٤] سورة المائدة آية ١١٦.
[٥] سورة البقرة آية ١٤٣.