المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩٠ - و أما ألقابهم
و الرابع: أن بعض دعاتهم نزل برجل يقال له: كرمية، فلما رحل تسمى قرمط بن الأشعب، ثم أدخله في مذهبه.
الخامس: أن بعض دعاتهم رجل يقال له: كرمية، فلما رحل تسمى باسم ذلك الرجل، ثم خفف الاسم فقيل: قرمط، قال أهل السير: كان ذلك الرجل الداعي من ناحية خوزستان، و كان يظهر الزهد و التقشف، و يسف الخوص، و يأكل من كسبه، و يحفظ القوم ما صرموا من نخلهم في حظيرة، و يصلي أكثر الناس، و يصوم، و يأخذ عند إفطاره من البقّال رطلا من التمر فيفطر عليه، و يجمع نواه فيدفعه إلى البقال، ثم يحاسبه على ما أخذ منه، و يحط من ذلك ثمن النوى. فسمع التجار الذين صرموا نخلهم فوثبوا عليه و ضربوه، و قالوا: لم ترض بأن أكلت التمر حتى بعت النوى.
فأخبرهم البقال في الحال، فندموا على ضربه، و سألوه الإحلال، فازداد بذلك نبلا عند أهل القرية، و كان إذا قعد/ إليه إنسان ذاكره أمر الدين و زهده في الدنيا، و أعلمه أن الصلاة المفروضة على الناس خمسون صلاة في كل يوم و ليلة، ثم أعلم الناس أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم، ثم مرض و مكث مطروحا على الطريق، و كان في القرية رجل يحمل على أثوار له، و كان أحمر العينين، و كان أهل القرية يسمونه كرميته لحمرة عينيه، و هو بالنبطية: حار العين، فكلّم البقال كرميته هذا في أن يحمل هذا العليل إلى منزله، و يوصي أهله الإشراف عليه و العناية به، ففعل، فأقام عنده حتى بريء، ثم كان يأوي إلى منزله و دعا أهل القرية إلى أمره فأجابوه، و كان يأخذ من الرجل إذا دخل في دينه دينارا، و يزعم أنه يأخذ ذلك الإمام، فمكث يدعو أهل القرى فيجيبونه، و اتخذ منهم اثني عشر نقيبا، و أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه، و قال لهم:
أنتم كحواري عيسى بن مريم (عليهما السلام)، فشغل أكرة تلك الناحية على أعمالهم بما رسمه لهم من الخمسين صلاة التي ذكر أنها فرضت عليهم.
و كان للهيصم في تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير أكرته في العمارة، فسأل عن ذلك، فأخبر أن رجلا قدم عليهم فأظهر لهم مذهبا من الدين، و أعلمهم أن اللَّه عز و جل قد افترض عليهم خمسين صلاة في اليوم و الليلة، و قد اشتغلوا بها فوجه [١] إليه/
[١] في الأصل: «فوجد إليه».