المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٩١ - و أما ألقابهم
فجيء به، فسأله عن أمره، فأخبره بقصته، فحبسه في بيت، و حلف بقتله، و أقفل عليه، و ترك المفتاح تحت وسادته، و نام، فرقت له جارية، فأخذت المفتاح، و فتحت و أخرجته، ثم أعادت [١] المفتاح إلى موضعه، فلما أصبح الهيصم فتح الباب، فلم يجده فشاع ذلك الخبر، فعبر به أهل تلك الناحية و قالوا: قد رفع.
ثم ظهر في موضع آخر و لقي جماعة من أصحابه فسألوه عن قصته، فقال: ليس يمكن أحدا أن يؤذيني. ثم خاف على نفسه، و خرج إلى الشام، و تسمى باسم الرجل الّذي كان في منزله كرميته، ثم خفف فقيل: قرمط، و فشا أمره و أمر أصحابه، و كان قد لقي صاحب الزنج فقال له: أنا على مذهب ورائي مائة ألف سيف، فناظرني، فإن اتفقنا ملت بمن معي إليك، و إن تكن الأخرى انصرفت، فناظره فاختلفا ففارقه.
السادس: أنهم لقبوا بهذا نسبة إلى رجل من دعاتهم يقال له: حمدان بن قرمط، و كان حمدان هذا [٢] من أهل الكوفة يميل إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في [٣] طريق، و هو متوجه إلى قرية، و بين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الداعي و هو لا يعرفه: أين تقصد؟ فسمى قرية حمدان، فقال له: اركب بقرة من هذه البقر لتستريح من المشي [٤]. فقال: إني لم أؤمر بذلك: قال كأنك لا تعمل إلا بأمر؟ قال: نعم! فقال حمدان: و بأمر من تعمل؟ قال: بأمر مالكي و مالكك، و مالك الدنيا و الآخرة، فقال:
ذلك اللَّه عز و جل، قال: صدقت قال: [٥] و ما غرضك في هذه البقعة؟ قال:/ أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، و من الضلال إلى الهدى، و من الشقاوة إلى السعادة، و أستنقذهم من ورطات الذل و الفقر، و أملكهم مالا يستغنون به من التعب [٦] و الكد، فقال له حمدان: أنقذني أنقذك اللَّه، و أفض علي من العلم ما تحييني به، فما أشد
[١] في ك: «ثم عادت».
[٢] «هذا» ساقطة من ك.
[٣] في الأصل: «القرامطة».
[٤] في الأصل: «لتستريح عليها».
[٥] «قال» ساقطة من ك.
[٦] في الأصل: عن التعب».