المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٨ - ذكر طرف من سيرته و أخباره
الشيخ و نفوسنا لمكروه عظيم، و ما هو إلا أن يراه غلمانه، و قد أوقعوا به، و إذا كان لا يقبل قول [١] الوزير عبيد اللَّه بن سليمان فبالأولى أن لا يقبل منه و لا يفكر فيه، فضحك و قال: لا عليك! و جئنا إلى باب القائد، فحين رأى غلمانه الخياط تلقوه و أعظموه، و أهووا ليقبلوا يده فمنعهم منها [٢] و قالوا: ما جاء بك أيها الشيخ؟ فإن قاعدنا راكب، فإن كان لك أمر نقوم [٣] بذكره له، و تنتجزه إياه فعلنا، و إن أردت [٤] الجلوس و الانتظار فالدار بين يديك! فلما سمعت ذلك قويت نفسي، و دخلنا و جلست، و رآني القائد، فلما رآه أكرمه إكراما شديدا و قال له: لست أنزع ثيابي حتى تأمر بأمرك، فخاطبه في شأني، فقال: و اللَّه ما معي إلا خمسة آلاف درهم، فتسأله أن يأخذها و يأخذ/ رهونا من مراكبي الذهب و الفضة بقيمة ما يبقى من ماله لأعطيه إياه بعد شهر، فبادرت أنا إلى أجابته و أحضرت الدراهم و المراكب بقيمة الباقي، فقبضتها و أشهدت الخياط و صديقي عليه بأن الرهن عندي إلى مدة شهر، فإن جاز كنت وكيله في بيعه، و آخذ مالي من ثمنه، و خرجنا فلما بلغنا مسجد الخياط و دخلنا طرحت الدراهم بين يديه و قلت [له] [٥]: قد ردّ اللَّه مالي بك و على يديك، فخذ ما تريد منه على طيب قلب مني! فقال: يا هذا، ما أسرع ما قابلتني بالقبيح على الجميل، انصرف بمالك بارك اللَّه لك فيه. قلت: قد بقيت لي حاجة، قال: قل! قلت: أحب أن تخبرني عن سبب طاعة هذا القائد لك مع إقلاله الفكر بأكابر الدولة. فقال: قد بلغت غرضك، فلا تقطعني عن شغلي بحديث لا فائدة [لك] [٦] فيه. فألححت عليه.
فقال: أنا رجل أقرئ [و أؤم بالناس] [٧] في هذا المسجد منذ أربعين سنة، لا أعرف كسبا إلا من الخياطة، و كنت صليت المغرب منذ مدة، و خرجت أريد منزلي،
[١] في ك: «لا يقبل من الوزير».
[٢] «منها» ساقطة من ك.
[٣] من ك: «أمر تقدم».
[٤] في ك: «و إن كان الجلوس».
[٥] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٦] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٧] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.