المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٥ - ذكر طرف من سيرته و أخباره
من هذا الخليفة، و لا أقل دينا منه، لأن
النبي صلى اللَّه عليه و سلّم قال: «لا قطع في ثمر و لا كثر»،
و الكثر: الجمار، فما رضي أن يقطع في هذا حتى قتل، و اللَّه ما قتلت الأسود بسبب هذا! و لكن لي معه خبر طريف، أستأمن هذا من عسكر/ الزنج إلى أبي الموفق، فخلع عليه و وصله، فرأيته يوما و قد نازع رجلا في شيء، فضربه بفأس، فقطع يده فمات الرجل، فحمله الناس إلى أبي [الموفق] [١] فأهدر دم المقطوع اليد، و أطلق الأسود ليتألف الزنج بذلك الفعل، فاغتظت، و قلت: ترى أتمكن من قتل هذا الأسود و أنفذ حكم [٢] اللَّه [عز و جل] فيه، فو اللَّه ما وقعت عيني عليه إلا في هذه الساعة، فقتلته بذلك الرجل.
و رفع إلى المعتضد أن قوما يجتمعون و يرجفون [٣] و يخوضون في الفضول، و قد تفاقم فسادهم، فرمى بالرقعة إلى وزيره عبيد اللَّه بن سليمان فقال: الرأي صلب بعضهم و إحراق بعضهم! فقال: و اللَّه لقد بردت لهيب غضبي بقسوتك هذه، و نقلتني إلى اللين من حيث أشرت بالحرق، و ما علمت أنك تستجيز هذا في دينك، أما علمت أن الرعية وديعة اللَّه عند سلطانها، و أن اللَّه تعالى سائله عنها؟ أما تدري [٤] أن أحدا من الرعية لا يقول ما يقول إلا لظلم قد لحقه أو لحق جاره أو داهية قد [٥] نالته أو نالت صاحبه؟ ثم قال: سل عن القوم، فمن كان سيّئ الحال فصله من بيت المال، و من كان يخرجه هذا إلى البطر [٦] فخوّفه، ففعل فصلحت الأحوال.
و كان للمعتضد جارية يحبها و تحبه غاية المحبة، فماتت، فجزع عليها جزعا منعه من الطعام و الشراب فقال: [٧]
يا حبيبا لم يكن يعد * * * له عندي حبيب
[١] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٢] في ك: «حد اللَّه».
[٣] في ك: «يحتمون و يرجعون».
[٤] في ك: «أما ترى».
[٥] «قد» ساقطة من ك.
[٦] «البطر» ساقطة من ك.
[٧] في النسخة ك اختلاف في ترتيب الأبيات أثبتناه على ما في الأصل، ت.