المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٢ - ثم دخلت سنة سبع و ستين و مائتين
فلما وصل الكتاب إليه لم يزده ذلك إلا نفورا و إصرارا، و لم يجب عنه بشيء [١] فسار أبو أحمد بأصحابه، و هم زهاء ثلاثمائة ألف إلى مدينته التي سماها المختارة من نهر أبي الخصيب [٢]، فرأى من تحصينها بالسور و الخنادق، و ما قد عور عن الطريق المؤدية إليها، و إعداد المجانيق و العرادات ما لم ير مثله، فأمر أبو أحمد ابنه بالتقدم إلى السور، و رمي [٣] من عليه بالسهام، ففعل، ثم نادى بالأمان، و رمى بذلك رقاعا [٤] إلى عسكر القوم، فمالت قلوبهم، فجاء منهم كثير، و علم أبو أحمد أنه لا بدّ من المصابرة، فعسكر بالمدينة التي سماها الموفقية، و جهز التجار إليها، و اتخذت بها الأسواق.
و قد كانت هذه المدينة انقطعت سبلها بأولئك الأعداء، و بنى أبو أحمد مسجد الجامع، و اتخذ دور الضرب، فضربت الدنانير و الدراهم، و أدرّ للناس العطاء.
و في ذي الحجة لست بقين منه: عبر أبو أحمد بنفسه إلى مدينة القوم لحربهم، و كان السبب أن الرؤساء من أصحاب الفاسق لما رأوا ما قد حل بهم من القتل [٥] و الحصار، مالوا إلى الأمان، و جعلوا يهربون في كل وجه، فوكّل الخبيث بطريق الهرب أحراسا، فأرسل جماعة من قوّاده إلى الموفق يسألونه الأمان، و أن يوجه لمحاربتهم جيشا ليجدوا إلى المصير إليهم سبيلا، فأمر أبا العباس بالمصير في جماعة إلى أناحيتهم،/ فالتقوا فاحتربوا، و ظفر أبو العباس و صار إلى القواد الذين طلبوا الأمان، و عبر الموفق بجيشه للمحاربة يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، و قصد ركنا من أركان المدينة، فغلبوا عليه، و نصبوا عليه علما، و أحرقوا ما كان على سورهم من منجنيق و عرادة، ثم ثلموا في السور عدة ثلم، و مد جسرا على خندقهم، فعبر الناس [فحملوا على] الزنج [٦] فكشفوهم.
[١] «بشيء» ساقطة من ك.
[٢] في الأصل: «الخطيب»
[٣] في الأصل: «و رشق»
[٤] في الأصل: «ورقا»
[٥] في الأصل: «ما حل بهم من القتل».
و في ك: «ما قد حل من القتل».
[٦] في الأصل: «فعبر الناس إلى الزنج».