المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٢ - ذكر طرف من سيرته و أخباره
غيرك، فرأيت إطلاقك و تحميلك إياها إن حلفت أنك إن سيرتك [١] إليه تؤديها، فحلفت له، فقال: قل للمعتضد يا هذا، لم تخرق هيبتك، و تقتل رجالك، و تطمع أعداءك في نفسك، و تبعث في طلبي الجيوش، و أنا رجل مقيم في فلاة، لا زرع فيها و لا ضرع، و قد رضيت لنفسي بخشونة العيش، و العز بأطراف هذه الرماح، و لا اغتصبتك بلدا، و لا أزلت سلطانك عن عملك، و مع هذا فو اللَّه لو أنفذت إليّ جيشك كله ما جاز يظفر بي، لأني رجل نشأت في القشف [٢]، فاعتدته أنا و رجالي، و لا مشقة علينا فيه، و أنت تنفذ جيوشك من الجيوش و الثلج و الريحان، فيجيئون من المسافة البعيدة الشاقة، و قد قتلهم السفر قبل قتالنا، و إنما غرضهم أن يبلغوا غرضا من مواقفتنا ساعة، ثم يهربون، و إن هم هزموني بعدت عشرين فرسخا، أو ثلاثين، و جلت في الصحراء شهرا أو شهرين، ثم كبستهم على غرة فقتلتهم، و إن كانوا محتزبين فما يمكنهم أن يطوفوا خلفي في الصحاري، و لا تحملهم الإقامة في/ أماكنهم، فأنت تنفق الأموال، و تكلف الرجال الأخطار، و أنا سليم من ذلك و هيبتك تتخرق في الأطراف، كلما جرى عليك هذا فإن اخترت بعد محاربتي فاستخرت اللَّه، و إن أمسكت فذلك إليك.
ثم سيرني و أنفذ معي عدة إلى الكوفة و سرت منها إلى الحضرة، و دخلت إلى المعتضد، فأخبرته بما قال في خلوة فرأيته يتمعط في جلده غيضا حتى ظننت أنه سيسير إليه بنفسه، و خرجت فما رأيته بعد ذلك ذكره. قال القاضي: كأنه عرف صدق قوله فكفّ عنه.
أنبأنا محمد بن أبي طاهر قال أنبأنا علي بن المحسن، عن أبيه قال: حدّثني أبو الحسين علي بن هشام قال: حدثنا الفضل بن سليمان قال [٣]: حدّثني خفيف السمرقندي [٤] حاجب المعتضد قال: كنت واقفا بحضرة المعتضد إذ دخل بدر، و هو يبكي و قد ارتفع الصراخ من دار عبيد اللَّه بن سليمان عند موته، فأعلم المعتضد الخبر،
[١] في ك: «إن سيرت».
[٢] في ك: «العسف».
[٣] «أنبأنا علي بن المحسن. عن أبيه قال: حدثني أبو الحسين علي بن هشام قال: حدثنا الفضل بن سليمان قال» ساقطة من ك.
[٤] في الأصل: «خفيف القيم».