المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٢٣ - ذكر طرف من سيرته و أخباره
فقال: أو قد صح الخبر أو هي غشية؟ قال: بل قد توفي و شد لحيته [١] فرأيت المعتضد قد سجد، فأطال السجود، فلما رفع رأسه قال له بدر: و اللَّه يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الموالاة، مجتهدا في خدمتك، عفيفا عن الأموال! قال: أ فظننت يا بدر أني سجدت سرورا بموته؟ إنما سجدت شكرا للَّه تعالى، إذ وفقني فلم أصرفه و لم أوحشه، ولي في جنب [٢] ورثته ما خلفه عليهم من كسبه معي، ما لعله قيمة ألفي ألف دينار، و قد عملت على أخذ ذلك منهم، و أن أستوزر أحد الرجلين: إما جرادة و هو أقوى الرجلين في نفسي لهيبته في قلوب الجيش، و الآخر أحمد بن محمد بن الفرات، و هو أعرف بمواقع المال.
فقال له بدر: يا مولاي، غرست غرسا حتى إذا ما أثمر قلعته! أنت ربيت القاسم و قد [٣] ألف خدمتك عشر سنين، و عرف ما يرضي حاشيتك، و جرادة/ رجل منكر، و يخرج من الحبس جائعا، و ابن الفرات لا هيبة له في النفوس، و إنما يصلح أن يكون بحضرة وزير يمشي [٤] له أمر المال، و مال القاسم، و ورثته لك. أي وقت أردته أخذته.
فراجعه المعتضد و بيّن له فساد هذا الرأي، فعدل عن المناظرة إلى تقبيل الأرض مرات، فقال له المعتضد: قد أجبتك فامض إلى القاسم فعزه ثانية، و بشره بتقرير رأيي على استوزاره لتسله [٥] عن مصابه، و مره بالبكور إلى الجامع [٦]، فولى بدر فخرجت معه، فدعاني المعتضد فعدت، فقال: أ رأيت ما جرى؟ قلت: نعم! فقال: و اللَّه لا يقتل بدرا غير القاسم! فما تم للقاسم التدبير مع المكتفي حتى قتل بدرا!.
قال خفيف [٧]: رحم اللَّه المعتضد! كأنه نظر هذا من وراء ستر.
قال المصنف: و سيأتي كيفية قتل بدر في ولاية المكتفي باللَّه.
[١] في ك: «لحياه».
[٢] في ك: «في حب».
[٣] في ك: «بدر».
[٤] في الأصل: «بنشيء».
[٥] في ك: «استبرائه ليسلو».
[٦] في ك: «الخلع».
[٧] في الأصل: «قال خصيف».