المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٨٨ - فأما البدايات التي بنوا عليها
و مزدك، فإنّهما كانا ينتحلان المحظورات، و قد سبق في أوائل هذا الكتاب شرح حالهما، و ما زال أكثر الناس مع إعراضهم لا يدخلون في حجر يمنعهم إياها، فلما جاء نبينا صلى اللَّه عليه و سلّم فقهر الملل و قمع [١] الإلحاد، أجمع جماعة من الثنوية، و المجوس، و الملحدين، و من دان بدين الفلاسفة المتقدمين، فأعملوا آراءهم و قالوا: قد ثبت عندنا أن جميع الأنبياء كذبوا و تخرقوا على أممهم، و أعظم كل بلية علينا محمد صلى اللَّه عليه و سلّم فإنه تبع من العرب الطغام فخدعهم بناموسه، فبذلوا أموالهم و أنفسهم، و نصروه و أخذوا ممالكنا، و قد طالت مدتهم، و الآن قد تشاغل أتباعه، فمنهم مقبل على كسب الأموال، و منهم على تشييد البنيان، و منهم على الملاهي، و علماؤهم يتلاعبون، و يكفر بعضهم بعضا، و قد ضعفت بصائرهم، فنحن نطمع في إبطال دينهم، إلا أنا لا يمكننا محاربتهم لكثرتهم، فليس الطريق إلّا إنشاء دعوة في الدين [٢] و الانتماء إلى فرقة منهم، و ليس فيهم فرقة أضعف عقولا من الرافضة فندخل/ عليهم، نذكر ظلم سلفهم الأشراف من آل نبيهم [٣]، و دفعهم عن حقهم، و قتلهم، و ما جرى عليهم من الذل لنستعين بها، و لا على إبطال دينهم، فتناصروا و تكاتفوا و توافقوا و انتسبوا إلى إسماعيل بن جعفر [بن محمد] الصادق [٤]، و كان لجعفر أولاد منهم: إسماعيل هذا، و كان يقال له: إسماعيل الأعرج.
ثم سوّل لهم الشيطان آراء و مذاهب أخذوا بعضها من المجوس [٥]، و [أخذوا] [٦] بعضها من الفلاسفة و تخرقوا على اتباعهم، و إنما قصدهم الجحد المطلق، لكنهم لما لم يمكنهم، توسلوا إليه فقد بان لك بما ذكرت. [و من] [٧] البدايات التي بنوا عليها، و الباعث لهم على ما فعلوا من نصب الدعوة.
[١] في ك: «الملك و منع الإلحاد».
[٢] في الأصل: «دعوة منهم في الدين».
[٣] في الأصل: «آل بيتهم».
[٤] في الأصل: «إسماعيل بن محمد بن جعفر الصادق».
[٥] في الأصل: «الفرس».
[٦] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.
[٧] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل.