نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٥ - القسم الأول العالم على أعتاب الدعوة
واصفرت أوراقها (فهى في حال التساقط) وقد يأس المزارع من ثمرها بعد أنّ غار ماؤها وجفت عروقها:
«على حين اصفرارٍ من ورقها، وإياسٍ [١] من ثمرها، واغورارٍ [٢] من مائها»
وذلك لأنّ مزرعة المجتمع البشري إنّما تتزين بورود الأخلاق والفضائل، وثمارها العدالة والمروءة والمحبة، أمّا ماؤها فيكمن في الإيمان والورع والتقوى؛ المعاني التي كانت مغيبة تماماً في العصر الجاهلي. حتى من الناحية المادية فقد شلت الزراعة والتجارة بسبب الحروب وعدم شياع الأمن والاستقرار فكان الفقر قد ساء العالم الجاهلي بالشكل الذي كان يدفعهم إلى قتل أولادهم، وهذا ما أشار إليه القرآن بالقول: «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ» [٣] بغض النظر عن وأدهم البنات خشية الفضيحة والعار. ثم قال عليه السلام في الصفة التاسعة والعاشرة:
«قددرست [٤] منار الهدى، وظهرت أعلام الرّدى»
فالمنار موضع النور، حيث كانوا يشعلون في السابق سراجاً على مرتفع حين الليل فيكون علامة للقرى المدن يشاهدها القاصي والداني فلايضل الطريق. فاذا تآلكت هذه المرتفعات وتهدمت لم يعد هناك من سراج فوقها، فالعبارة كناية رائعة إلى سراج الكتب السماوية وتعاليم الأنبياء التي تمثل نور الهداية للجماعة الإنسانية، وقد انطفئ هذا النور في العصر الجاهلي اثر غلبة الاهواء، فكان من الطبيعي إذا اطفئ النور أن يعم الظلام الدامس بكل معاني الحيرة والظلال والكفر والنفاق وقال عليه السلام في الصفة الحادية عشرة:
«فهى متجهّمةٌ [٥] لِأهلِها، عابِسةٌ [٦] فِي وجهِ طالِبِها»
فالعبارة كناية عن شدة العنف والنزاعات وصعوبة المعيش وتعقيد الحياة؛ كيف لا والحياة الوادعة الامنة لاتتحق الا في ظل العدالة الاجتماعية والاخاء والمحبّة والمودة التي لم يكن لها من أثر في العصر الجاهلي. ثم قال عليه السلام:
«ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة [٧]»
. حقاً ليست هنا لك من ثمرة لذلك الوسط بتلك
[١] «إياس» على وزن قياس عدم الأصل.
[٢] «اغورار» من مادة «غور» الغوص في الأرض، وعادة ما يطلق على الماء داخل الأرض وهو هنا كناية عن انقطاع الهداية.
[٣] سورة الاسراء/ ٣١.
[٤] «درست» من مادة «دروس» زوال الاثار وانعدامها.
[٥] «متجهمة» من مادة «جهم» على وزن فهم العنف والغلظة، ويقال متجهم لمن يستقبل الآخرين وينظر إليهمبوجه كريه.
[٦] «عابسة» من مادة «عبوس» على وزن مجوس كناية عن الاسى الشديد للناس في العصر الجاهلي.
[٧] «جيفة» من مادة «جوف»، وتطلق عادة على الميت الذي يفسد جوفه فتهب منه ريح نتنة.