نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٨ - القسم الأول أحب العباد إلى اللَّه
شرح الصفات الكلية للكاملين من العرفاء وأصحاب السلوك إلى اللَّه، حيث يتمثل مصداقهم به وزوجه والمعصومين من ولده عليه السلام. والجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام لم يترك جانباً من الجوانب المهمّة لحال الإنسان الكامل حتى ذكر له أربعين صفة. فقد إستهل كلامه قائلًا:
«عباد اللّه! إنّ من أحبّ عباد اللّه إليه عبداً أعانه اللّه على نفسه»،
فالعبارة تشير إلى نقطة مهمة وهى أنّ إجتياز هذا الطريق ليس ميسراً لأحد- دون عناية اللَّه- وذلك لعظم المخاطر والمطبات التي يتعذر على الإنسان عبورها بقوته المتواضعة، فليس أمامه سوى التوكل على اللَّه وتسليم اموره إليه ليستلهم العون من مصدر فيضه ولطفة الذي لاينضب، وهذا ما أشار إليه القرآن بالقول: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً» [١]. ومن الواضح أنّ ألطاف اللَّه سبحانه وتفضلاته ليست قائمة على العبث، بل لابدّ من نيلها بواسطة التسليم المطلق وحمل القلوب إليه وعدم إسكانها غيره. ثم خاض الإمام عليه السلام في بيان نتيجة هذا اللطف قائلًا:
«فاستشعر الحزن، وتجلبب الخوف»
استثعر من مادة شعار مايلي البدن من اللباس، وجعل الحزن بمنزلة الشعار يعني أنّ مثل هؤلاء الأفراد المؤمنين إنّما يعيشون الحزن في باطنهم على ما مضى من أيام عمرهم ولم يجدوا فيها كما ينبغي لطاعة معبودهم، وبالطبع فانّه حزن بناء يسوقهم نحو العمل والحركة لتدارك مافاتهم. تجلبب من مادة جلباب ما يكون فوق جميع الثياب وتجلبب الخوف إشارة إلى أنّ هؤلاء الأفراد المخلصين يراقبون أنفسهم على الدوام، حذرين من صدور الزلل وما من شأنه أن يخرجهم من زمرة المخلصين والسعداء. كما يحتمل أن يكون حزنهم بسبب فراق المحبوب وخوفهم من عدم الوصال. ثم خاض الإمام عليه السلام في نتيجة هذا الحزن والخوف البناء:
«فزهر مصباح الهدى في قلبه، وأعدّ القرى [٢] ليومه النّازل به»
وزهور مصباح الهداية إشارة إلى تلألأ أنوار المعارف الإلهية في قلوبهم يتذوقون بها حلاوة الإيمان: «وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ» [٣] والتعبير بالقري الذي يعني الوسيلة المعدة للضيوف يشير إلى أن يوم الأجل أو القيامة الذي يمثل ذروة الخشية والخوف لايعني لهم سوى
[١] سورة النور/ ٢١.
[٢] «قرى» مصدر واسم مصدر ما يهيأ للضيف، والمراد به هنا العمل الصالح يهيئه للقاء الموت وحلول الأجل، ومنه «المقراة» التي تطلق على الظرف الكبير الذي يوضع فيه الطعام.
[٣] سورة البقرة/ ٢٨٢.