نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - العدو اللدود للمنحرفين
ليعبئ الامّة ضد علي عليه السلام، كما وظف طائفة من كهول الشام التي كانت تقيم مراسم العزاء وتبكي عثمان في المسجد بما يثير مشاعر الناس. فقد قال الإمام عليه السلام في إطار ردّه لمزاعم بنيامية:
«أولم ينه بني أميّة علمها بي عن قرفي؟ [١] أو ما وزع [٢] الجهّال سابقتي عن تهمتي! [٣]»
فبني أمية وإن جانبوا الحق والانصاف، إلّاأنّهم كانوا ينبغي أن يعلموا صفات الإمام عليه السلام وأنّه لايظلم أحداً ولايلطخ يده بدماء الآخرين عبثاً، كما يعلمون جيداً سوابقه وفضائله ومنها أنّ النبي صلى الله عليه و آله خاطبه بأخيه وناداه أنت منّي بمنزلة هارون من موسى، وفيه وفي أهل بيته نزلت آية التطهير وقد فوض إليه النبي صلى الله عليه و آله أغلب أعماله سرية، فهذه التهم رخيصة، فالإمام عليه السلام لم يشترك في قتله ولا قتل غيره، كما بالغ في الدفاع عنه وإن كان يراه مقصراً، لكن دون حد القتل. فقد وعظه الإمام عليه السلام وحذره من مغبة أفعاله، كما دعى تلك الجماعة التي قامت ضده إلى التحلي بالصبر والحلم واعتماد الأساليب السلمية في حل النزاع، بينما بقيت بنيأمية ساكتة دون ان تحرك ساكناً. ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه قائلًا:
«و لما وعظهم اللّه به أبلغ من لساني»
أولم يقرأوا قوله سبحانه في كتابه العزيز: «يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ» [٤] أو لم يسمعوا قوله سبحانه: «وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْما مُبِيناً» [٥]. ثم أشار عليه السلام إلى فضيلة اخرى من فضائله فقال:
«أنا حجيج [٦]
المارقين، وخصيمالنّاكثين المرتابين»،
وقد إختلفت أقوال المفسّرين في محاجته عليه السلام للمارقين في الدنيا أم الآخرة. أشار ابن أبي الحديد [٧] أنّه أراد يوم القيامة حيث روي عنه عليه السلام أنّه
[١] «قرف» على وزن حرف تعني في الأصل فصل قشرة الشئ كقشرة الشجرة، ولما كان تحري العيوبيؤدي إلى ضياع شخصية الأفراد، فانّ هذه الكلمة تستعمل بمعنى الاتهام.
[٢] «وزع» من مادة «وزع» على وزن وضع بمعنى المنع، كما وردت بمعنى الجمع. لأنّ جمع الشئ يتطلب منع تشتت افراده، ولعل «التوزيع» بمعنى التقسيم، لأنّ تقسيم الشئ يتطلب جمعه ثم تقسيمه.
[٣] «تهمة» من مادة «وهم» تعنى في الأصل الظن السيئ (وقد وردت هذه المفردة بفتح الهاء وضمها)، كما تعني التهمة البهتان، وهذا هو معناها في العبارة الواردة في الخطبة.
[٤] سورة الحجرات/ ١٢.
[٥] سورة النساء/ ١١٢.
[٦] «حجيج» من مادة «حج» بمعنى قصد الشىء، ومنه «المحاجة» لمن يحاور العدو بقصد التغلب عليه، وحجيج المارقين خصيمهم، والمارقون هم الخارجون من الدين.
[٧] شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد ٦/ ١٧٠.