نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٥ - تقلب الدنيا
أمّا التعبير بالاخترام وبالالتفات إلى معنى هذه المفردة الذي يفيد القطع والقص (ولذلك فسرّ بعض شرّاح نهجالبلاغة الموت المحزوم بالموت الذي يطيل الإنسان قبل مدته الطبيعيه) [١] كأنّه يشير إلى حقيقة وهى أنّ إحدى مشاكل الحياة الدنيا في أنّه قلّما يفارق أحد الدنيا بموت طبيعي؛ أي أنّه يوظف كافة طاقاته من أجل البقاء بينما يأتيه الموت، بل غالباً ما يخرق عمره بفعل مختلف العوامل سواءاً الداخلية أو الخارجية، الجسمية أو النفسية وأخيرا الحوادث الفردية أو الاجتماعية، ومن هنا لايسع أي فرد أن يؤمل العيش ولو ليوم أو ساعة. والسؤال المطروح لم رغم كل هذه الامور والحال
«لايرعوي الباقون اجتراما»؟
ليس هنالك من جواب سوى الغفلة والجهل ووساوس النفس الامارة والشياطين الذين يحكمون سيطرتهم على الإنسان ويحجبون أبصارهم وبصائرهم عن رؤية الحقائق. فهو بالضبط كالطير الذي يرى الحبوب دون أن يرى المصيدة التي نصبها له الصياد.
تقلب الدنيا
لقد إستفاضت الآيات القرآنية والروايات الإسلامية التي كشفت النقاب عن غدر الدنيا وتقلب أحوالها. وما أورع الصورة التي رسمها القرآن لهذه الدنيا حين شبهها بماء المطر:
«وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأَرضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ مُقْتَدِراً» [٢]. الخطبة التي نحن بصددها هى الاخرى رسمت صورة ناصعة لتفاهة الدنيا بحيث تهز عباراتها ضمير أهل الغفلة لتلفت إنتباههم إلى الآخرة، وكثيرة هى خطب نهجالبلاغة التي وردت بشأن الدنيا، ولعل السبب الذي يكمن وراء كل هذه التأكيدات هو أنّ العصر الذي عاشه الإمام عليه السلام قد أعقب تلك الفتوحات الإسلامية والتي جرت ثروات طائلة على البلاد الإسلامية، حتى كانت آثار السلاطين والملوك النفسية من بين الغنائم التي كان تحصل عليها الجيوش الإسلامية؛ الأمر الذي شد أنظار أغلب الأفراد إلى الدنيا، وهذا ما أدى بالتالي إلى فساد المجتمع الإسلامي. فما
[١] شرح نهجالبلاغة لابن ميثم البحراني ٢/ ٢٣٦.
[٢] سورة الكهف/ ٤٥.