نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٧ - ٢- شمولية القرآن
أدلتها المعروفة (الكتاب والسنة والإجماع والعقل) مفتوح على الدوام؛ الأمر الذي رقى بالفقه الإسلامي وأخذ بيده نحو الكمال. بينما نعلم أنّ فريقاً من المسلمين قد ذهب إلى غلق باب الاجتهاد، ليحصره ويجعله حكراً على الأئمة الأربع! رغم عدم قلّة الأفراد الذين كانوا يفوقونهم علماً في الأمة الإسلامية، فالواقع ليس هنالك من دليل يدعو إلى حصر الاجتهاد في ذلك العدد المذكور. في حين تحدث الإمام عليه السلام في هذه الخطبة عن خصائص المسلم المخلص العالم وفي مقدمتها إجتهاده في أحكام الدين فقال:
«قد نصب نفسه للّه- سبحانه- في أرفع الأمور، من إصدار كلّ واردٍ عليه، وتصيير كلّ فرعٍ إلى أصله، مصباح ظلماتٍ، كشّاف عشواتٍ مقفتاح مبهماتٍ، دفّاع معضلاتٍ»
كما أشار ضمنياً في عدة مواضع من هذه الخطبة إلى الشرائط التي ينبغي توفرها في الفقيه المجتهد، والتي تدل على أن الفقيه لايتصدى لهذه المسؤولية الخطيرة مالم تكن له رابطة خالصة بالحق سبحانه وتعالى. وهذا وقد تناولنا في شرحنا للخطبة الثامنة عشرة في المجلد الأول أهمية الاجتهاد وفتح بابه أمام العلماء، إلى جانب الحديث عن الاضرار الفادحة التي أفرزتها فكرة الاعتقاد بغلق باب الاجتهاد من قبل فقهاء العامة.
٢- شمولية القرآن
لقد أشار الإمام عليه السلام كراراً ومراراً في أغلب خطب نهجالبلاغة إلى أهمية القرآن الكريم، فكان يتناول أحد الأبعاد في كل خطبة. وقد تحدث في هذه الخطبة عن خصائص العبد المخلص، فكان من بينها تسليمه المطلق لكلام اللَّه، بحيث جعل القرآن قائده وإمامه ليتبعه في حركاته وسكناته، وبعبارة اخرى فهو ينظر إلى القرآن كمحور لكافة جوانب حياته، لاوسيلة لتوجيه عقائده وأفكاره، فهو على العكس من أولئك الذين يتشدقون بتبعبتهم للقرآن، بينما يسعون لتكييف القرآن ومتطلباته وآرائهم، ليكونوا مصداقا لقوله: «وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ» [١]. فما لاينجسم ورغباتهم نسوه وهجروه، ولو كان ظاهره لايخدمهم عمدوا
[١] سورة النساء/ ١٥٠.