نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٦ - ١- فتح باب الاجتهاد
شخصيته على الرغبات المفرطة التي تسوقه إلى الهوى، إلى جانب عدم الانزواء والتقوقع عن الدنيا، فلابد له أن يستسيغ الحلال ويمج الحرام ويسلك خط الاعتدال. فالعبارة
«أول عدله ...»
تفيد انطلاقه في العدل من ذاته، والحق أنّه مالم يكن كذلك فليس لكلامه من أثر في الآخرين في الدعوة إلى العدالة. ثم قال في الصفة الثانية
«يصف الحقّ ويعمل به»
فان كان نصيرا للحق لم يقتصر ذلك على لقلقة اللسان، بل كانت دعوته ونصرته للحق على مستوى السلوك والأفعال قبل اللسان والأقوال، وذلك لأنّ كلامه النابع من إيمانه واعتقاده إنّما ينعكس مباشرة على سلوكه وتصرفه، ولولا ذلك الانعكاس لأفاد الأمر عدم إيمان ذلك الفرد بما يقول. ثم قال عليه السلام في الصفة الثالثة:
«لا يدع للخير غايةً إلّا أمّها، ولا مظنّةً إلّا قصدها»
انه طالب كل خير وإحسان وسعادة، بل يقتفي آثار حتى تلك الحالات التي يرتجى من وراءها خيراً، فهو عاشق للخير وكأنّه ذلك الفرد الذي يبحث عن ضالته النفيسه، فهو لاينفك عن مطاردتها هنا وهناك. وقال في الصفة الرابعة
«قد أمكن الكتاب من زمامه، فهو قائده وإمامه، يحلّ حيث حلّ ثقله، [١] وينزل حيث كان منزله»
وهكذا يرى هذا العبد المخلص نفسه مكلّفاً بهداية الناس منطلقاً قبل ذلك من إصلاح نفسه واجتثاث جذور الهوى من أعماقها؛ فلسانه يصدع بالحق دائماً، كما يعمل بهذا الحق إلى جانب سعيه الدؤوب خلف الصالحات وأعمال الخير، والأهم من كل ذلك أنّه جعل القرآن إمامه الذي يقوده حيث شاء فقد فوض إليه كافة اموره، فكانت سكناته وحركاته مستندة إلى القرآن.
تأمّلان
١- فتح باب الاجتهاد
يرى أتباع مدرسة أهلالبيت عليهم السلام أنّ باب الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية من
[١] «ثَقَل» على وزن أجل، وله معان مختلفة، ففي بعض الأحيان يأتي بمعنى أمتعة المسافر واحيانا بمعنىالاشياء الثمينة.
و «حل» بمعنى نزل في منزل جديد وحل الرحال فيه، والجملة الواردة اعلاه، كناية عن أن المؤمن المخلص والسائر على هدى القرآن الكريم، فان حاله كحال المسافر الذي سار وراء قافلة كلما نزلت القافلة في مكان وحلت رحالها، فانه يتبع هذه القافلة فينزل معها ويحل رحاله معها.