نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٥
وأخلاقه. أمّا البعض فقد تصوروا أنّ موازين يوم القيامة كموازين الدنيا، إلّاأنّها أدق، فاضطروا للاعتقاد بوزن الأعمال المعنوية، إلّاأنّ الأمر ليس كذلك، فميزان كل شئ بمايناسبه.
فاليوم تستعمل كلمة الميزان ليقال ميزان الهواء وميزان الحرارة، والحال ليس هنالك مثل هذا الميزان. بل تستعمل الميزان بكثرة في الأعمال المعنوية ولايراد بها هذا الميزان. والحق أنّ عالم الاخرة آخر واسع يتجاوز حدود هذا العالم بحيث يتعذر علينا تصور ابعاده وحدوده وجزئياته وان كان لنا علم إجمالي به. وقد أوصى الإمام عليه السلام بزنة الأعمال قبل وزنها هناك ومحاسبتها قبل الحساب؛ الأمر الذي أكده سائر المعصومين عليهم السلام. فقد ورد عن الإمام الكاظم عليه السلام أنّه قال:
«ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم، فان عمل خيرا استزاد اللّه منه، وحمداللّه عليه، وإن عمل شرا استغفراللّه وتاب عليه» [١]
. وجاء في الحديث أنّ رسولاللَّه صلى الله عليه و آله قال لأبيذر:
«يا أباذر! حاسب نفسك قبل ان تحاسب، فانه أهون لحسابك غدا، وزن نفسك قبل أن توزن» [٢]
. كما قال صلى الله عليه و آله لأبي ذر:
«يا أباذر لايكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملسبه، أمن حل ذلك، أم من حرام». [٣]
٢- الواعظ الباطني
إن النتيجة المطلوبة تتطلب أمرين؛ الموضع المناسب والتربية الصحيحة، وبعبارة اخرى:
قابلية القابل وفاعلية الفاعل. فالفلاح مهما كان ماهراً والماء مهما كان وافراً، والبذر مهما كان صالحاً، لايجني أي ثمر إذا كانت الأرض الزراعية مالحة غير صالحة للزراعة، وذلك لأنّ إفتقار الموضع لقابليته يبدد جميع الجهود. ويصدق هذا الأمر على تربية النفوس البشرية، فما لم يكن للإنسان واعظ من نفسه ونزوعا نحو الحق والانصاف لم تؤثر فيه أقوى المواعظ من الخارج.
ومن هنا شرب أبوجهل وابولهب الصدى وهما يجلسان على ساحل منبع الوحي الفياض، بينما ارتوى أمثال أويس القرني من ذلك المنبع رغم البعد الشاسع عنه. وبالطبع لايفهم الجبر من هذا الكلام، لأنّ الواعظ الباطني يتبلور أيضاً عن طريق تهذيب النفس وتزكيتها، فشعلته
[١] ميزان الحكمة ١/ ح ٣٨٤٥ (مادة حساب).
[٢] المصدر السابق، ح ٣٨٤١.
[٣] بحارالأنوار ٧٤/ ٨٦.