نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٤ - القسم العاشر مواجهة الأهاويل
نعم فالتفكر من أول لوازم التقوى التي تسهل جواز الإنسان على الصراط، حيث يحيى هذا التفكر قلب الإنسان ويجعله يستعشر خشية اللَّه وبالتالي يقوده إلى التهجد وإحياء اليل وصوم أيام الصيف الحارة والتحلي بالزهد والتواضع. التقوى التي تأخذ بيد الإنسان إلى شاطئ الأمان وتجعله يمر كالبرق على ذلك الصراط.
ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بشأن التقوى ومعطياتها فقال:
«وأوجف [١] الذّكر بلسانه، وقدّمالخوف لِأمانِهِ، وتنكّب [٢] المخالِج [٣] عن وضحِ [٤] السّبِيلِ، وسلك أقصد المسالِكِ إِلى النّهج المطلوب؛ ولم تفتله [٥] فاتلات الغرور، ولم تعم عليه مشتبهات الْأمور»
فقد أشار عليه السلام إلى عشرة من أوصاف المتقين- إلى جانب التفكر الدائم- التي تستبطن كل واحدة منها عالم من المعاني والتي تجعل الإنسان إذا تحلى بها قدوة يحتذى بها وتمنحه العزة والرفعة في الدنيا والآخرة وتحقيق النجاحات الباهرة في سيره إلى اللَّه سبحانه وتعالى. وقد إتصفت هذه العبارات بتشبيهات لطيفة وكنايات بليغة بعيدة المعنى بحيث تنفذ إلى أعماق النفس. نعم فالمتقون لايخدعون بالوساس الشيطانية ولايسيرون حيارى على الطريق، بل ويسلكون أقرب السبل إلى اللَّه سبحانه، كما أنّ خوف اللَّه ولهج ألسنتهم بذكر اللَّه يحول دون إنحرافهم عن السبيل القويم. ثم خاض الإمام عليه السلام في جانب من نتائج هذه الصفات في الدنيا والآخرة فقال:
«ظافراً بفرحة البشرى، وراحة النّعمى، [٦] في أنعم نومه، وآمن يومه، قد عبر معبرالعاجلة حميداً، وقدّم زاد الْآجلة سعيداً»
فالواقع هو أن السبب الذي يقف وراء راحتهم وسكينتهم واستقرار أفكارهم إنّما يكمن في إجتيازهم لعقبة الدنيا وتزودهم للدار الآخرة. والشئ المهم هو أن يتمالك الإنسان نفسه حيال هذه المظاهر الكاذبة والخادعة والفساد
[١] «أوجف» من مادة «ايجاف» السرعة في العمل، وأوجف الذكر بلسانه أسرع، كأن الذكر لشدة تحريكهاللسان موجف به كما توجف الناقة براكبها.
[٢] «تنكب» من مادة «نكب» و «نكوب» بمعنى الميل عن الشئ والعدول عنه، ومن هنا يقال للدنيا نكبت أنأدبرت عن الشخص.
[٣] «مخالج» جمع «مخلج» من مادة «خلج» على وزن حرج الامور المختلجة الجاذبة.
[٤] «وضح» من مادة «وضوح» بمعنى الظهور ووضح السبيل وسط الجادة.
[٥] «تفتله» من مادة «فتل» على وزن قتل الانصراف عن الشئ، كما وردت بمعنى الشروق ومنه الفتيلة.
[٦] «نعمى» بالضم سعة العيش ونعيمه، وللنعمي مفهوم كالنعمة، حيث هو من المفاهيم الواسعة.