نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٤ - القسم الثامن عشر حسن الختام
الفرص السانحة للإنسان من قبيل: باقي العمر وسكينة الروح وراحة الجسم وإمكانية نيل الكمال وسهولة الاستشارة وبقاء الفرصة اللازمة للعزم والإرادة والقدرة على التوبة والاقلاع عن الذنب. فكل أمر من هذه الامور يشكل جزءا من الفرص العظيمة الثمينة التي منحها الإنسان والتي يمكن من خلالها فعل كل شئ ونيل الخير والسعادة؛ والحال يمكن أن يفقد الإنسان جميع هذه الفرص فيقضي على سعادته بنفسه، ويالهم من بؤساء اولئك الذين لم يلتفقوا إلى هذه الحقيقة، فيمارسون حياتهم كقطيع الغنم الذي ينهمك بأكله وشربه في مرعاه دون أن تلتفت إلى الذنب الذي ينهشها الواحد تلو الآخرة.
قال المرحوم السيد الرضي (ره) في آخر هذه الخطبة:
«وفي الخبر: أنّه لما خطب بهذه الخطبة اقشعرت لها الجلود، وبكت العيون، ورجفت القلوب. ومن الناس من يسمي هذه الخطبة الغراء»
وقد قال ابن أبي الحديد: واعلم أننا لايخالجنا الشكّ في أنّه عليهالسلام أفصحُ من كلّ ناطق بلغة العرب من الأولين والآخرين، إلّا من كلام اللَّه سبحانه، وكلام رسولاللَّه صلى اللَّه عليه وآله؛ وذلك لأنّ فضيلَة الخطيب والكاتب في خطابته وتكاتبه تعتمد على أمرين؛ هما:
مفردات الألفاظ ومركَّباتها.
أمّا المفردات فأنْ تكون سهلةً سِلسة غيرَ وحشيّة ولا معقّدة، وألفاظه عليهالسلام كلها كذلك؛ فأمّا المركّبات فَحُسْنُ المعنى وسرعة وصوله إلى الأفهام، واشتماله على الصفات التي باعتبارها فُضِّل بعضُ الكلام على بعض، وتلك الصفات هى الصناعة التى سَمّاها المتأخرون البديع، من المقابلة، والمطابقة، وحسن التقسيم، وردّ آخر الكلام على صَدْره، والتّرصيع، والتسهيم، والتوشيح، والمماثلة، والاستعارة، ولطافة استعمال المجاز، والموازنة، والتكافؤ، والتَّسْميط والمشاكلة.
ولا شبهةَ أنّ هذه الصفات كلَّها موجودة في خُطَبِه وكتبه، مبثوثة متفرقة في فُرش كلامه عليهالسلام، وليس يوجد هذان الأمران في كلامِ أحد غيرِه فإن كان قد تعمَّلها وأفْكَر فيها، وأعمَل رويتَه في رَصْفها ونثرها، فلقد أتى بالعجب العُجاب، ووجبَ أن يكون إمام الناس كلِّهم في ذلك؛ لأنّه ابتكره ولم يعرف من قبله وإن كان اقتضبها ابتداء، وفاضت على لسانه