نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٣ - المواعظ البالغة
الحسود في الواقع يعترض على نظام الخليقة واغداق اللَّه لنعمه على العباد؛ الأمر الذي لاينجسم والإيمان، أضف إلى ذلك فليس للحسود أن يرى سعادته في سلب نعم الآخرين، ولو كان مؤمناً باللَّه لسأل اللَّه مثل هذه النعم. ثم حذر عليه السلام من البعض والعداء
«و لا تباغض وا فإنّها الحالقة»
. الحالقة من مادة حلق (وبالنظر إلى حذف متعلقها) تفيد أن الخصومة والتباغض إنّما تجتث أصول الخير والسعادة من جذورها؛ ولا غرو لأنّ جذور الخير تتمثل بالتعاون والتعاضد بين أفراد المجتمع مع بعضهم البعض الآخر. وأخيراً من الرذيلة السادسة المتمثلة بطول الأمل فقال عليه السلام:
«و اعلموا أنّ الأمل يسهي العقل، ينسي الذّكر، فأكذبوا الأمل فإنّه غرورٌ، وصاحبه مغرورٌ»
فالواقع هو أنّ طول الأمل يغرق الإنسان في عالم من الوهم والخيال ويجعله يدور حول محور الامور المادية، وهذا من أعظم العقبات التي تعترض سبيل السعادة، وقد دلت التجارب على أنّ أغلب الأفراد الذين يرتكبون أبشع الجرائم إنما هم ممن ابتلوا بهذه الرذيلة- طول الأمل- التي عدها رسولاللَّه صلى الله عليه و آله وأميرَالمؤمنين عليه السلام في مصاف عبادة الهوى ومن أخطر عقبات السعادة.
المواعظ البالغة
لقد تضمنت هذه الخطبة وعلى الرغم من قلة عبارتها العديد من الامور المعنوية من قيبل مفهوم التوحيد وعبودية اللَّه والاهتمام بالكتاب- القرآن الكريم- وما ورد فيه من تعاليم قيمة، إلى جانب التحذيرات التي تهدف إلى تنبيه الإنسان إلى مصيره وعاقبته. كما تطرقت إلى المسائل الأخلاقية المهمّة التي تعد الركن الركين لسعادة الإنسان المادية والمعنوية، كاجتناب الشرك والكذب والحسد والعداوة والبغضاء وطول الأمل، ثم أوورد الدليل والبرهان المنطقي الذي يكشف اللثام عن أضرار كل رذيلة من هذه الرذائل. الحق لو تأمل الإنسان هذه الخطبة كل يوم وفكر قليلًا في عبارتها وعقد العزم على الالتزام بها لبلغ بنفسه شاطئ السلامة والأمان.