نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٩ - القسم التاسع عاقبة الغضاضة الذبول
القسم التاسع: عاقبة الغضاضة الذبول
«فَهَلْ دَفَعَتِ الْأَقارِبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّواحِبُ، وقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْواتِ رَهِيناً، وفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوامُّ جِلْدَتَهُ، وأَبْلَتِ النَّواهِكُ جِدَّتَهُ، وعَفَتِ الْعَواصِفُ آثارَهُ، ومَحا الْحَدَثانُ مَعالِمَهُ، وصارَتِ الْأَجْسادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِها والْعِظامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِها، والْأَرْواحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبائِها، مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبائِها، لا تُسْتَزادُ مِنْ صالِحِ عَمَلِها، ولا تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّئِ زَلَلِها، أَ ولَسْتُمْ أَبْناءَ الْقَوْمِ والْآباءَ، وإِخْوانَهُمْ الْأَقْرِباءَ؟ تَحْتَذُونَ أَمْثِلَتَهُمْ، وتَرْكَبُونَ قِدَّتَهُمْ، وتَطَئُونَ جادَّتَهُمْ؟ فالْقُلُوبُ قاسِيَةٌ عَنْ حَظِّها، لاهِيَةٌ عَنْ رُشْدِها، سالِكَةٌ فِي غَيْرِ مِضْمارِها! كَأَنَّ الْمَعْنِيَّ سِوَاهَا، كَأَنَّ الرُّشْدَ فِي إِحْرازِ دُنْياها».
الشرح والتفسير
أشار الإمام عليه السلام هذا الرباني الرائد للأخلاق في عالم البشرية وملهمها في هذا المقطع من الخطبة إلى ذلك اليوم الذي يغمض فيه الإنسان عينيه ويودع هذه الدنيا، فليس هنالك من يدفع عنه هذا الموت، ولا تحل مشكلته ببكاء أقربائه وعويلهم، فيستفهم الإمام عليه السلام على سبيل الانكار قائلًا:
«فهل دفعت الأرقاب، أو نفعت النواحب، [١] وقد غودر [٢] في محلة الأموات
[١] «نواحب» جمع «ناحبة» من مادة «نحب» على وزن نذر والنحيب في الأصل الجد في العمل ثم اطلق علىرفع الصوت بالبكاء، وعليه فالنواحب الأفراد الذين يرتفع صوتهم بالبكاء والعويل.
[٢] «غودر» من مادة «غدر» على وزن مكر نقض العهد، كما وردت بمعنى الترك، وهذا هو المراد بها في العبارة.