نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٧ - من الأدعية التربوية للإمام على عليه السلام
نقضها ضعف إرادته فيتوجب عليه الاستعاذة باللَّه منه. أو يمكن أن يكون طرفها الأول الإنسان والطرف الآخر اللَّه سبحانه تعالى بحيث يكون هذا المعنى مقدرا في العبارة السابقة [١]، وعلى وهذا الضوء فهى إشارة إلى جميع العهود والمواثيق الشرعية التي يعاهد الإنسان فيها اللَّه سبحانه ولايلتزم بها. وذلك لأنّ الكثير من الأفراد يعاهدون اللَّه في الشدائد والنوائب فاذا ما كشفت عنهم نسوا تلك العهود؛ الأمر الذي صرح به القرآن الكريم قائلًا: «وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ* فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ» [٢]. أمّا في الدعاء الثالث فالإمام عليه السلام يستعيذ باللَّه من الرياء والنفاق ويسأل اللَّه العفو والمغفرة فيقول:
«اللّهمّ اغفر لي ما تقرّبت به إليك بلساني، ثمّ خالفه قلبي»
فالتظاهر بالأعمال الحسنة- من خلال اللسان أو الرياء في العبادات وسائر الطاعات- يعد من أخطر شعب الشرك، الأمر الذي أكد التحذير منه في الآيات القرآنية والروايات الإسلامية، غير أنّ الذي يؤسف له هو أنّ الرياء والنفاق من الأعمال الشائعة التي تكبد الإنسان أضرارا تفوق التصور، حيث يفيد هذا الأمر أنّ مثل هذا الإنسان لايؤمن في الواقع بتوحيد اللَّه على مستوى الأفعال، ولا غرو فهو يرى العزة والذلة بيد الناس ويؤثر ولاية الناس ومحبتهم على ولاية اللَّه ومحبته. بينما إذا علم هذا الإنسان بأنّ العزة والذلة بيداللَّه، يعز من يشاء ويذل من يشاء وأنّ القلوب بين إصبعين من أصابع اللَّه يقلبها كيف يشاء، فانّه لايسأل سوى اللَّه ولا يعمل إلّاله سبحانه. ولا يقتصر التناقض بين القول والنية بالنسبة للرياء، بل إنّ كل تناقض إنّما يشمل الظاهر والباطن، فكل ما ينطق به الإنسان ولايلتزم به حين العمل، أو أن يعزم على خلافه إنما يشير إلى تناقض الظاهر مع الباطن، وإن لم يكن قد قصد الرياء. فقد صرح القرآن الكريم بهذا الخصوص قائلًا: «يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ» [٣] أننا لنناجي الحق سبحانه وتعالى في صلواتنا اليومية «إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَستَعِين» والحال قد تعيش قلوبنا عباة اخرى وإستعاذة ثانية، كما نتشهد في صلواتنا بالوحدانية للَّه «أشهد أن لا إله إلّااللّه وحده لا شريك له»
[١] وتقدير العبارة: «وأيت من نفسي مع ربي».
[٢] سورة التوبة/ ٧٥- ٧٦.
[٣] سورة الصف/ ٢- ٣.