نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٠ - القسم الثاني كلكم مسؤول
التي أشارت إليها الآية القرآنية: «إِنّا عَرَضْنا الأَمانَةَ ...» [١] إلّاأنّ هذا التفسير لايبدو مستقيماً بالالتفات إلى صدر الخطبة وذيلها. ثم قال عليه السلام:
«و لعمري ما تقادمت بكم ولا بهم العهود، ولاخلت فيما بينكم وبينهم الأحقاب [٢] والقرون، وما أنتم الْيوم من يوم كنتم في أصلابهم ببعيدٍ».
بناءاً على التفسير المذكور فانّ العهود هى المواثيق، والعبارة إشارة لما ورد في القرآن الكريم «قُلْ أَتَّخَذتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» [٣] أمّا البعض من الشراح فقد ذهب إلى أنّ المراد بالعهود هنا العصور وعلى هذا الضوء سيكون المفهوم واحدا مع العبارة القادمة:
«و لا خلت فيما بينكم بينهم الأحقاب والقرون»
، ثم أشار الإمام عليه السلام إلى مكانته آنذاك والتي تصاف مكانة النبي صلى الله عليه و آله ازاء فجائع زمان الجاهلية فقال:
«واللّه ما أسمعكم [٤] الرّسول شيئاً إلّاوها أنا ذا مسمعكموه، وما أسماعكم اليوم بدون أسماع كم بالأمس، ولا شقّت لهم الأبصار، ولا جعلت لهم الأفئدة في ذلك الزّمان، إلّاوقد أعطيتم مثلها في هذا الزّمان»
وعليه فانكم تشبهونهم في كل شئ، والحال إنّكم تلوون رؤوسكم عن الحق الذي كانوا عليه. فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار ضمنياً إلى حقيقة مريرة في عصره- بسبب سوء تدبير سابق الخلفاء والانغماس في الثروات التي ملأت الجزيرة العربية من خلال الفتوحات الإسلامية التي جرت عليهم هذه الغنائم- وهى بداية جاهلية اخرى قد أصيب بها الناس. فقد ظهرت الأصنام بصور اخرى، بحيث أصبح الدينار والدرهم صنماً، كما أصبح المنصب والمقام صنماً. فقد أوضح الإمام عليه السلام أنّ رسالته في هذا العصر والزمان هى ذات رسالة رسولاللَّه صلى الله عليه و آله، فهو يبين كل ما بينه النبي صلى الله عليه و آله، ثم قال عليه السلام أنّ أسماعكم
[١] سورة الاحزاب/ ٧٢.
[٢] «أحقاب» جمع «حقب» على وزن عنق قيل ثمانون سنة وقيل أكثر وقيل هو الدهر.
[٣] سورة البقرة/ ٨٠.
[٤] من الواضح أن الضمائر هنا لاينبغي أن تكون بصيغة المخاطب (كم) بل لابدّ أن تكون بصيغة الغائب (هم) لأنّها إشارة إلى من عاش في عصر النبي صلى الله عليه و آله. ويبدو أنّ الاشتباه من النساخ، ولذلك قبله الشراح بهذا الشكل.