نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٦٦ - القسم الخامس عشر القبر روضة من رياض الجنّة أو حفرة من النار
الزّفير [١]»
فالمراد بالجحيم هنا جحيم البرزخ التي تمثل جانبا من جهنم القيامة، والتي سيردها أصحاب الكبائر. فقد قال سبحانه تعالى في محكم كتابه العزيز بشأن آل فرعون: «النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَفِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذابِ» [٢] كما يستفاد من العبارة شدة عذاب البرزخ ورهبته. فناره تضج، والسنتها تتصاعد، وماؤها يشوي البطون حقاً أنّ آلام الإنسان ومعاناته ومصائبه لتزول بالمرة حين يفارق هذه الدنيا ويودع روضة من رياض الجنّة، غير أنّ البلاء يشتد إذا أودع بعد كل هذا البؤس والشقاء حفرة من حفر النار إثر سوء أعماله. طبعاً كلام الإمام عليه السلام مطلق، ولكن من الواضح أنّ المراد به عبّاد الدنيا والظلمة والطواغيت وعامة أهل الذنوب والمعاصي؛ وهو الأمر الذي أشير إليه بصراحة في العبارات السابقة، كالعبارة:
«نفر مستكبراً، وخبط سادراً، ما تحاً في غرب هواه، كادحاً سعياً لدنياه».
ثم قال عليه السلام
«لا فترةٌ مريحةٌ، ولا دعةٌ [٣] مزيحةٌ، [٤] ولا قوّةٌ حاجزةٌ، ولا موتةٌ ناجزةٌ، [٥] ولا سنةٌ [٦] مسلّيةٌ، [٧] بين أطوار الموتات، وعذاب السّاعات! إنّا باللّه عائذون»
. تبين هذه العبارات القصيرة العظيمة المنال المقتبسة من آيات القرآن الكريم أنّ العذاب الإلهي شديد الالم على هؤلاء الأفراد من جهة، ومن جهة أخرى ليس هنالك من سبيل قط للفرار منه، وذلك لأنّ صحيفة الأعمال تغلق بموته ولاتشهد أي تغيير تبديل، اللّهم إلّا أنّ يتطلف اللَّه عليهم برحمته وفضله، مع ذلك فذلك اللطف يستند إلى حكمته سبحانه. فما ورد في هذه الخطبة يتناغم وآيات القرآن الكريم التي تحدثت عن عقاب البرزخ. فقد
[١] «زفير» صوت النار عند توقدها.
[٢] سورة غافر/ ٤٦.
[٣] «دعة» من مادة «ودع» على وزن منع الراحة.
[٤] «مزيحة» من مادة «ازاحة» تزيح ما أصابه من التعب.
[٥] «ناجزة» من مادة «نجز» منتهية.
[٦] «سنة» بالكسر والتخفيف أوائل النوم.
[٧] «مسلية» من مادة «تسلية» النسيان، تشغله عما هو فيه.