نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٦ - الشكوى من الاتباع الجهلاء
يلدوا ذلك النصر المبارك الذي يضع حدا لغارت أهل الشام وتطاولهم على حرمة الإسلام والمسلمين، إلّاأنّهم أسقطوا ذلك النصر في آخر اللحظات بفعل جهلهم. فقد خدع القوم بحيلة عمرو بن العاص حين رفع المصاحف على أسنة الرماح، فتعالت الأصوات بالرجوع إلى القرآن، حتى هدد الإمام عليه السلام بالقتل إذا لم يرجع مالك الأشتر ويكف عن القتال ولم يكن سوى بضع خطوات بينه وبين معاوية. فمثل هذه المرأة إذا فقدت زوجها ولم تحظ بزوج مناسب وماتت غصة في هذه الدنيا، فمن الطبيعي أن يرثها الأبعد، فليس لها من ولد يكون لها إمتداداً، وليس لها زوج يبكيها (على فرض أنّ ليس لها أب وأم). وذهب البعض إلّاأن هذا الكلام إشارة إلى نبوءات على ما سيصيب أهل العراق من جراء سوء تدبيرهم في صفين، حيث سيفقدون إمامهم لجهلهم وتمردهم فيسلط عليهم البعداء فيسومونهم سوء العذاب، وهذا ما وقع بالفعل، ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى هجرته من المدينة إلى الكوفة التي إستندت إلى الاضطرار وليس فيهم ما يجعل الإمام عليه السلام يهاجر إليهم، على العكس من أهل المدينة الذين إندفع إليهم رسولاللَّه صلى الله عليه و آله، وقد كانوا أهلًا لحب رسولاللَّه صلى الله عليه و آله وإقباله عليهم. فقال:
«أما واللَّه ما أتيتكم اختياراً؛ ولكن جئت إليكم سوقاً».
والتأريخ يشير إلى هذه الحقيقة وهى لولا موقعة الجمل لما إنطلق الإمام عليه السلام إلى البصرة، ولو كان لأهل الحجاز أن يقضوا على فتنة الناكثين لما إستنجد بأهل الكوفة، ولولا خطر معاوية الذي كان يهدد البلاد الإسلامية لما إستقر الإمام عليه السلام في الكوفة وهجر المدينة وغادر قبر رسولاللَّه صلى الله عليه و آله وسيدة النساء. والواقع أنّ العبارة رداً على إشكال في علة قدوم الإمام عليه السلام إلى الكوفة وهى بهذه الصفات الذميمة، فقد أجيب عن هذا الإشكال بأنّ الإمام عليه السلام أتى مجبراً لا مختاراً. ثم قال عليه السلام
«و لقد بلغني أنّكم تقولون: عليٌّ يكذب، قاتلكم اللَّه تعالى! فعلى من أكذب؟ أعلى اللَّه؟ فأنا أوّل من آمن به! أم على نبيّه؟ فأنا أوّل من صدّقه»
فالحقيقة التي لاغبار عليها هى أنّ الإمام عليه السلام أول من آمن من الرجال باللَّه، كما تشير حياته إلى أنّه لم يسجد لصنم ولم يعبد سوى اللَّه وأنّه أول من صدق برسول اللَّه صلى الله عليه و آله ووقف إلى جانبه طيلة الدعوة. ولعل الكلام يشير إلى بعض إخباره بالمغيبات والحوا دث التي كانت خافية على أولئك الناس، وقد انطلق ذلك التكذيب من قبل تلك الفرقة المنافقة التي كانت متغلغلة في صفوف أهل الكوفة والتي كانت تنسب الإمام عليه السلام إلى الكذب كلما أخبر عن