نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٧ - الشكوى من الاتباع الجهلاء
وقوع بعض الحوادث بصفته
«تعلّم من ذي علمٍ».
كما يمكن أن تكون العبارة إشارة إلى الأحكام والمعارف الإسلامية التي تعلمها الإمام عليه السلام من القرآن الكريم أو من النبي صلى الله عليه و آله وعجزت أفكار المنافقين عن إدراكها وفهمها. وقد صرح ابن أبي الحديد قائلًا: وإذا تأملت أحواله في خلافته كلها وجدتها هى مختصرة من أحوال رسولاللَّه صلى الله عليه و آله في حياته، كأنّها نسخة منتسخة منها في حربه وسلمه وسيرته وأخلاقه وكثرة شكايته من المنافقين من أصحابه والمخالفين لأمره، وإذا أردت أن تعلم ذلك علماً واضحاً فاقرأ سورة
«براءة»
ففيها الجم الغفير من المعنى الذي أشرنا إليه [١]. ومن الواضح أنّ أول موحد ومؤمن باللَّه ومصدق بالنبي صلى الله عليه و آله لايكذب قط ولايتكم بما لايعلم إنما يفتري الكذب من لا يؤمن باللَّه ولايعرف للورع والتقوى من معنى. بعبارة أخرى: فان كافة معارف الإمام عليه السلام حتى الأخبار الغيبة التي كان يحدث عنها إنّما كانت دروساً تعلمها من النبي صلى الله عليه و آله، فهل من سبيل إلى الكذب لهذه الأخبار من قبل تلميذ النبي صلى الله عليه و آله وربيبه الوفي علي عليه السلام؟ إلّاأنّ المنافقين عمي الابصار والبصائر لايرون سوى منافعهم، من هنا كانوا حريصين على تشويه سمعة الإمام عليه السلام. ثم يختتم الإمام عليه السلام خطبته قائلًا:
«كلَّا واللَّه! لكنَّها لهجةٌ [٢] غبتم عنها، ولم تكونوا من أهلها ويل امّه [٣] كيلًا بغير ثمنٍ! لو كان له وعاءٌ، ولتعلمنّ نبأه بعد حينٍ»
والمراد بالعبارة
«لكنّها لهجةٌ غبت م عنها»
- وبالالتفات إلى أنّ اللهجة هنا تعني الحقائق الغائبة عنهم- أنّ تكذبيكم وإنكاركم إنّما يستند إلى جهلكم وضحالة أفكاركم وعدم علمكم بالأسرار التي تعلمتها من رسولاللَّه صلى الله عليه و آله والقرآن، ولاعجب ف
«النّاس أعداء ما جهلوا».
أمّا العبارة
«ويل امه»
- التي تفيد الترحم والتعجب كما ترد أحياناً للدعاء بالشر- فلها
[١] شرح نهجالبلاغة لابن أبي الحديد ٦/ ١٢٩.
[٢] «لهجة» من مادة «لهج» على وزن فلج، ويأتي معنى هذا اللفظ أحيانا بمعنى الملازمة وأحيانا بمعنىالاختلاط والمعاشرة وأحيانا بمعنى العلاقة الشديدة بالشيء، وكذلك فان اللهجة ملازمة للغة الانسان، وتطلق على مجموعة مختلطة من الامور، أما في الجملة أعلاه فالاصطلاح جاء بمعنى الاسرار والمفاهيم الخاصة.
[٣] «ويل امه»: عبارة مركبة من (ويل) التي تأتي للدعاء أو التعجب وأمه مضافة إلى ويل إن كان مبتدأ، كما يمكن أن تكون مبتدأ وخبرها محذوف وتقدير العبارة «ويل أمه ثابت أو كائن» فان قرأت منصوبة فهى منادى وأصلها (يا ويل أمه) وقد وردت بكلمة واحدة في بعض النسخ ولا يفرق ذلك في المعني.