نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٤ - القسم الرابع إغتنام الفرصة
تفيد أنّ أولئك الذين جاوزوا الحد في المباحات والرخص قد هوى آخر الأمر في مستنقع المحرمات. فقد شبهت بعض الروايات والأخبار المحارم بالغرق والمنطقة المحظورة ذات الحدود المعينة ثم شبهت النفس البشرية بالشاة التي ترعى عند تلك الحدود، حتى يلوح لها العلف فتندفع نحوه. فالإنسان قد يندفع بأقصى ما لديه لممارسة المباحات حتى تخدعه نفسه فاذا هو يقارف الخطيئة والمعصية. فقد قال الإمام علي عليه السلام:
«والمعاصي حمى اللّه، فمن يرتع حولها يوشك أن يدخلها» [١]
. وقد وردت التعبيرات القرآنية الرائعة التي تحذر من الاقتراب من تلك الحمى كقوله: «وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ» [٢] و «وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا» [٣] و وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ماظَهَرَ مِنْها وَمابَطَنَ» [٤].
فأفضل سبيل لمجانبة الذنب تكمن في عدم الاقتراب منه، فلايوغل في المباح خشية من السقوط بما بعده. والسبيل الثاني:
«و لا تداهنوا [٥] فيهجم بكم الإدهان على المعصية»
. المراد بالمداهنة هنا مماشاة الإنسان ومرونته لأحل الذنوب والمعاصي واظهار حالة من النفاق، فانّ من شأن هذا النفاق أنّ يقود الإنسان إلى مقارفة الذنب. وأحد المصاديق التي يمكن الإشارة إليها هنا ما تعارف بالحيل الشرعية واللجوء إلى بعض الأساليب التي تعدّ من الحلول الكاذبة لبعض المشاكل، حيث تنتهي بالإنسان في خاتمة المطاف إلى الوقوع في المعصية علانية، وهذا بدوره يعد من سبل الشيطان لجر الإنسان إلى الذنب والخطيئة. وأحياناً يخدع الإنسان نفسه ليقارب الذنب، كما يخدع أحياناً من قبل الآخرين للإتيان بالمعصية، وكلا الأمرين من مصاديق المداهنة. ومن هنا حذر الإمام عليه السلام من هذين السبيلين بغية غلق الابواب بوجه الشيطان وعدم الوقوع في حبائله.
[١] وسائل الشيعة ١٨/ ١١٨ ح ٢٢ الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي.
[٢] سورة الانعام/ ١٥٢.
[٣] سورة الاسراء/ ٣٢.
[٤] سورة الانعام/ ١٥١.
[٥] «تداهنوا» من مادة «مداهنة» وقد اشتقت من مادة «دهن» التي تعنى المرونة المذمومة والنفاق والمماشاة، كما تعني إظهار خلاف ما في الطوية.