نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٩ - القسم السادس مواعظ شافية
درجة اليقين والاعتبار بحوادث الماضي والحذر من المعاصي، واستماع أحسن القول والانتهاء، عن المنكر وإجابة دعوة الحق، والاقتداء بأولياء اللَّه والانفتاح على الحقائق ثم قال عليه السلام:
«فاسرع طالباً ونجا هارباً»
وبالنتيجة
«فافاد ذخيرة، وأطاب سريرة، وعمر معاداً، واستظهر [١] زاداً، ليوم رحيله، ووجه سبيله، وحال حاجته، وموطن فاقته، وقدح أمامه لدار مقامه»
والواقع أنّ هذه مظاهر اخرى للتقوى والتي من شأنها جعل الإنسان يسارع إلى الحق وتقتل في نفسه الجنوح إلى الذنب والاثم وتمده بمقدمات الاستعداد للمعاد. ثم واصل الإمام عليه السلام خطبته بالدعوة ثانية إلى التقوى وخلص إلى نتيجة هى:
«فاتقوا اللّه عباداللّه جهة ما خلقكم له». [٢]
حقاً أنّ لخلق الإنسان هدف «أَيَحْسَبُ الإِنْسانُ أَنْ يُتْرَك سَدىً» [٣] ولا يمكن بلوغ هذا الهدف دون التقوى، والهدف هو العبودية للَّه سبحانه ونيل القرب الإلهي وبلوغ السمو والكمال، ولا يتيسر هذا إلّامن خلال المعرفة والتقوى. ثم قال عليه السلام:
«واحذروا منه كنه [٤] ما حذركم من نفسه»
هنالك روعة في قوله عليه السلام كنه التي تفيد عدم الاقتناع بالظواهر فقط حيال الانذارات الإلهية ولابدّ من تأمل هذه الانذارات والعمل على الفوز بالرضوان الإلهي. ثم أشار عليه السلام إلى معطيات التقوى فقال:
«واستحقوا منه ما أعد لكم بالتنجز [٥] لصدق ميعاده، والحذر من حول معاده»
فعبارات الإمام عليه السلام اشارات إلى بعض الآيات، كالآية التاسعة من سورة المائدة: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ» وما ورد في الآية الخامسة عشرة من سورة آلعمران: «لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِها الأَنْهارُ» والآية ٦٨ من سورة التوبة: «وَعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ وَالمُنافِقاتِ وَالكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها».
[١] «استظهر» من مادة «ظهر» على وزن دهر، بمعنى حمل الزاد والمتاع على الظهر أو على ظهر مركب.
[٢] قيل جملة (جهة ما خلقكم له) ظرف وقيل مفعول به لفعل مقدر وقيل مفعول لأجله ولعل الاحتمال الأول أنسب الجميع.
[٣] سورة القيامة/ ٣٦.
[٤] «كنه»، الحقيقة وباطن الشئ، كما تأتي بمعنى العاقبة وأجل الشئ واريد بها المعنى الأول في العبارة.
[٥] «تنجز» من مادة «نجز» على وزن عجز، تستعمل في الوفاء بالعهد، وتنجز الوعد طلب وفائه على عجل.