نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٨ - القسم السادس مواعظ شافية
الوحي وأولياء اللَّه، وقرينة ذلك عبارات القسم السابق بشأن الهداية الإلهية بطرق النجاة وإزالة حجب الشبهات والشكوك والمهلة الكافية للاستعداد والتزود واتمام الحجة على المقصرين. على كل حال فانّ الهدف هو بيان هذه المسألة وهى كفاية المواعظ والنصائح والمعالم على الطريق لو كانت هنالك آذانا صاغية وعقولًا متفتحة وقلوباً واعية، وبعبارة اخرى ليس هنالك من نقص في فاعلية الفاعل، وإن كان هنالك من نقص ففي قابلية القابل.
والتعبير عن الأمثال بالصائبة يفيد مطابقتها للواقع. وأمّا التعبير بالأسماع الواعية فيشير إلى أنه بعد سماع كلام لابدّ من حفظه والتأمل فيه؛ لاسماعه من أذن وإخراجه من اخرى، كأنّه لم يسمع شيئاً. وأمّا الفارق بين
«الآراء العازمة» و «الألباب الحازمة»
فهو أنّ العبارة الاولى إلى القرارات القاطعة، وذلك لأن الإنسان لايتعظ بنصائح أولياءاللَّه وينتفع بالإرشادات مالم يمتلك العزم القاطع؛ رغم أنه قد يقبلها ولصدق بها إلا أنه لايمتلك القدرة على إتخاذ القرار لضعف إرادته، والألباب الحازمة إشارة إلى الأفكار العميقة التي تشخص عواقب الأعمال، وتتامل جوانب كل مسألة ببعد نظر وسعة أفق. نعم إنّما ينتفع غاية الانتفاع من هذه المواعظ والامثال من كان له فكر عميق وإرادة قوية واذن سامعة وقلب واع. ثم أوصى عليه السلام بالتقوى وبين مظاهرها بعبارات قصيرة بعيدة المعنى بما يقارب عشرين جملة. والحق أنّ ضالة أرباب السير والسلوك إلى اللَّه إنّما اختصرت في هذه العبارات، حيث قال عليه السلام:
«فاتقوا اللّه تقية من سمع فخشع»
فاذا أذنب إعترف بذنبه وتاب إلى ربّه
(واقترف [١] فاعترف، ووجل فعمل، وحاذر فبادر، وأيقن فأحسن، وعبر فاعتبر، وحذر فحذر، وزجر فازدجر، وأجاب فأناب، وراجع فتاب، واقتدى فاحتذى، [٢] وأري فرأى»
فقد بينت مظاهر التقوى في هذه العبارات بأكمل وجه. وبالطبع فان التقوى ليس إدعاءاً، ولاتقتصر على إجتناب الخطايا والارجاس، فالتقوى تبدا من سماع كلمات دعاة لاحق وخضوع القلب لها، إلى جانب التوبة والإنابة إلى اللَّه والاعتراف بالذنوب وخشية اللَّه والقيام بالأعمال التي تقرب إليه، وحث الخطى نحو
[١] «إقترف» من مادة «قرف» على وزن حرف بمعنى إكتسب وتستعمل إقتراف في إكتساب الاثم.
[٢] «إحتذى» من مادة «حذو» على وزن حذف بمعنى فصال الحذاء حسب النموذج والقياس المعين، ثم اطلقالحذو والاحتذاء على مطابقة الشئ لآخر، وقد وردت في الخطبة بمعنى المتابعة والتبعية للاسُوة في كل شئ.