نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٤ - القسم الخامس الإنسان، من أين وإلى أين؟
مثل هذا الاختيار في الخلق والموت. فلا أحد يعين تأريخ ولادته، ولا أحد يختار زمان موته الطبيعي برغبته، فالحياة والموت خارجة عن دائرة إرادتنا إلى جانب تعفن البدن وصيرورته تراباً، وهذا ما حدا بالبعض لتفسير عبارة الأمر بين الأمرين بهذا المعنى. على كل حال فانّ مسيرة الحياة والموت جارية علينا على حنوء الإرادة الإلهية والقوانين المرسومة شئنا أم أبينا؛ الواقع الذي تقود الغفلة عنه إلى جهل الإنسان بنفسه وبخالقه، بينما يمده الالتفات إليه بعناصر العلم والمعرفة والتأهب. ثم تطرق الإمام عليه السلام في العبارات الثلاث اللاحقة إلى عملية بعث الناس الخلارجة هى الاخرى عن الإرادة البشرية فقال
«ومبعوثون أفراداً، ومدينون جزاءً، ومميزون حساباً»
لاشك أنّ كل فرد سيخرج من قبره وحيداً، ولايتنافى هذا والتقسيم اللاحق للناس إلى طوائف تبعاً لعقائدهم وأعمالهم، كما عبرت عن ذلك الخطبة في البحث الماضي بالرعيل، ونعتها القرآن بالافواج. [١] ولعل العبارة
«مميزون حساباً»
إشارة لما ورد في الآية الكريمة: «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» [٢]. نعم ليس هنالك من يحمل وزر غيره ويعاقب عليه، ولكل حسابه على ضوء أفعاله، وان كان الرضى بأعمال الآخرين والتقصير في وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدى إلى نوع من الحساب المشترك. أمّا العبارات الخمس الأخيرة فقد أشار فيها الإمام عليه السلام- كما ذكرنا ذلك آنفا- إلى الفرص واتمام الحجة التي تتضمن أبعادا مختلفة، فقال عليه السلام:
«قد أمهلوا في طلب المخرج، وهُدوا سبيل المنهج، وعمروا مهل المستعتب، [٣] وكشفت عنهم سدف [٤] الريب، وخلوا لمضمار الجياد، [٥] وروية الارتياد، [٦] وأناة [٧] المقتبس المرتاد، في مدّة الأجل، ومضطرب المهل»
تضمنت هذه العبارات الأبعاد المختلفة لاتمام الحجة الإلهية وانّ الناس يمتلكون المهلة الكافية للفوز بالرضوان الإلهي أولًا،
[١] سورة النبأ/ ١٨.
[٢] سورة فاطر/ ١٨.
[٣] «مستعتب» من مادة «عتب» على وزن تبت بمعنى الرضى. وذهب بعض أرباب اللغة إلى أنّ أصل هذهالمفردة (عتاب) وإعتاب نفي ذلك والاستعتاب طلب نفي العتاب التي وردت بمعنى طلب الرضى.
[٤] «سدف» جمع «سدفة» على وزن غرفة بمعنى الظلمة.
[٥] «جياد» جمع «جواد»، والجياد من الخيل كرامها.
[٦] «ارتياد» من مادة «رود» على وزن صوت، طلب ما يراد.
[٧] «أناة» الهدوء والطمأنينة والوقار والحلم، كما وردت بمعنى الانتظار.